البصمة الوراثية فزاعة العرب

لماذا يخاف العرب من البصمة الوراثية و جعلوها حراما في تشاريعهم

الحمض النووي .. الفتنة والمؤامرة الصهيونية للطعن في نسب قريش والرسول الكريم !!

……………………………

الحمض النووي لا يُثبت ولا ينفي أنساب قبائل العرب والأجناس البشرية .

قــريـــش ظهرت على عدة سلالات كثيرة منها :-
السلالة j1 و السلالة j2 والسلالة E والسلالة R والسلالة Q والسلالة H .
وكل شخص ينتمي إلى هذة السلالات يدعي أن سلالته هي العدنانية أو هي القحطانية أو هي القرشية .
وأصبح بين هؤلاء معارك وشد وجذب وسب وطعن فيما بينهم , كل جماعة من السلالات تريد الإنتصار بشتى الطرق , وكأن هذا العلم ” الحمض النووي ” أصبح كـ مسند أحمد بن حنبل أو صحيح البخاري ! .

المتفق عليه بين علماء أهل السنة والجماعة هو أن إستخدام الحمض النووي في البحث والإثبات والنفي في أنساب القبائل والعشائر هو حرام وباطل .

الحمض النووي يكون حلال في إثبات البنوه – الجرائم – وغيرها من المجالات الأخرى – أما إثبات ونفي والبحث في أنساب قبائل العرب عبر الحمض النووي فهذا بهتان وجريمة شنعاء حذر منها علمائنا الأفذاذ .

وقد قال الشيخ العلامة / صالح الفوزان عن حكم إثبات ونفي أنساب القبائل عبر الحمض النووي : بأن لا نفعل هذا في مسئلة البحث في أنساب القبائل وهو لا يثبت الأنساب .

وكذلك قال معالي الشيخ الدكتور سعد بن ناصر الشثري عن الحمض النووي في إثبات ونفي والبحث في الأنساب : أنها ضنيه وليست قطعيه وقال بمنعها .

وقد قرر مجلس المجمع الفقهي برابطة العالم الإسلامي عدم جواز الاعتماد على البصمة الوراثية في نفي النسب، فلا يجوز تقديمها على اللعان . كما لا يجوز استخدام البصمة الوراثية بقصد التأكد من صحة الأنساب الثابتة شرعًا، ويجب على الجهات المختصة منعه وفرض العقوبات الزاجرة، لأن في ذلك المنع حماية لأعراض الناس وصونًا لأنسابهم .

وعلينا إتباع العلماء والمشايخ الكرام فهم الحصن الحصين وهم علماء الأمة الإسلامية ومن الواجب تقليدهم وإتباع منهجهم وعدم مخالفة رأيهم .

أما أتباع وأنصار الحمض النووي فهم في ضلال ووهم وخزي وعار لإنهم يتبعون الظن والوهم والطاغوت الأكبر الشركات اليهودية والمسيحية المتخصصة في الحمض النووي لتفريق قبائل العرب وإشعال الفتن بين المسلمين .

فقد خابوا وخاب مسعاهم لمحاربة الإسلام والمسلمين , ولا حول ولا قوه إلا بالله العظيم .

!! الحذر الحذر يا مسلمين من الحمض النووي الفتنة الصهيونية !!

الحج مهرجان جنسي

من الأشياء التي كانت تمارس في موسم الحج قبل الإسلام ما سمي بـ”متعة الحج” التي أشار غالبية المؤرخين وفقهاء الإسلام إلى أنها نوع من الزواج يتم أثناء أداء شعيرة الحج. وقد ربطه هؤلاء بالغريزة الجنسية والحاجة لإشباعها كما سنرى.
إلا أن هذا الرأي تنتابه بعض نقاط الضعف لأنَّ إشباع الغريزة الجنسية هو شأن فردي لا حاجة لأنْ يحدد بممارسة جماعية وفي موسم ديني مثل الحج، إلا أن يكون مرتبطًا بأحد طقوسه. وقد اختلف المسلمون بشأن هذه الشعيرة من قائل إنها شعيرة إسلامية أو مقرة من قبل الإسلام إلى قائل إنها شعيرة وثنية، إلا أن الإسلام لم يشأ معارضتها لأسباب لها علاقة بظروف الدعوة آنذاك. ويستدل أصحاب الرأي الأول على رأيهم بدلالة النص القرآني الذي يقول:
فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدى فمن لم يجد فصيام ثلاث أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام واتقوا الله واعلموا أن الله شديد العقاب[1].
ومما يفهم من هذا النص أنه لا يحل المتعة وحسب بل ويفرض بديلاً لها وهو الصيام عشرة أيام فيما إذا لم يتم ممارستها وقت الحج، وربما يشمل ذلك من لم يكن أهلهم (أي أزواجهم) حاضري المسجد الحرام. كذلك يستدل أصحاب هذا الرأي بدلالة إقرارها من قبل الرسول واستمرار العمل بها في عهد الخليفة أبي بكر؛ إذ لم يقع المنع إلا في عهد الخليفة عمر بن الخطاب؛ فقد روى عن عمر أنه قال:
متعتان كانتا على عهد رسول الله (ص) أنا أنهى عنهما وأعاقب عليهما: متعة الحج ومتعة النساء[2].
وروى أحمد في مسنده عن جابر بن عبد الله الأنصاري أنه قال: “تمتعنا على عهد النبي الحج والنساء فلما كان عمر نهانا عنهما فانتهينا”[3]. وعن سعيد بن المسيب أنه قال: “نهى عمر عن المتعتين: متعة النساء ومتعة الحج”[4]. أما القائلين بوثنية هذه الشعيرة فيستدلون على رأيهم بممارستها في عهد ما قبل الإسلام، ناهيك عما تحتويه من إباحية يأنفها الإسلام. وبالتالي نحن أمام رأيين: إمَّا أن متعة الحج أحلت لما فيها من المتعة أي اللذة بإباحة محظورات الإحرام في المدة المتخللة بين الإحرامين: إحرام للعمرة وإحرام للحج، أو لأنها إحدى شعائر الحج قبل الإسلام وبعده إلى عهد الخليفة عمر بن الخطاب. لكن إذا كانت المتعة هي إحدى شعائر الحج فما الذي دفع الخليفة عمر بن الخطاب إلى منعها ومعاقبة من يمارسها؟ لقد اختلفت الروايات بشأن شرعية المنع أو أسبابه، فبينما عده البعض بدعة وتصرفًا جريئًا، من قبل الخليفة، له علاقة بالجانب الاجتماعي لا الشرعي، عده البعض الآخر أمرًا شرعيًا متوافقًا مع نهج الإسلام. ويستدل أصحاب الرأي الأول بروايات عديدة منها: ما رواه ‏موسى بن اسماعيل عن‏ ‏همام عن ‏قتادة ‏عن ‏مطرف عن ‏عمر إنه ‏قال: “‏تمتعنا على عهد رسول الله (ص) ‏فنزل القرآن قال رجل برأيه ما شاء”[5]. ‏وما رواه ‏مسدد عن ‏يحيى عن ‏عمران أبي بكر عن ‏أبو رجاء عن ‏عمران بن حصين ‏‏قال: ‏”أنزلت ‏آية المتعة ‏في كتاب الله ففعلناها مع رسول الله (ص) ‏ولم ينزل قرآن يحرمه ولم ينه عنها حتى مات، قال: ‏رجل ‏برأيه ما شاء”[6]. وكذلك ما رواه عبد الرزاق ‏عن ‏هشيم عن ‏‏الحجاج بن أرطأة عن ‏‏الحكم بن عتيبة عن ‏‏عمارة عن ‏‏أبي بردة عن ‏أبي موسى: أن ‏عمر ‏‏قال: “‏هي سنة رسول الله (ص) ‏يعني المتعة ‏ولكني أخشى أن يعرسوا بهن تحت الأراك ثم يروحوا بهن حجاجا”[7]. وما رواه ‏محمد بن المثنى ‏وابن بشار ‏عن ‏ابن المثنى عن ‏‏محمد بن جعفر عن ‏شعبة ‏عن ‏الحكم عن ‏عمارة بن عمير عن ‏ابراهيم بن أبي موسى عن ‏‏أبي موسى ‏أنه كان يفتي ‏بالمتعة ‏فقال له رجل: رويدك ببعض فتياك فإنك لا تدري ما أحدث أمير المؤمنين في ‏النسك ‏بعد حتى لقيه بعد فسأله، فقال عمر: “‏قد علمت أن النبي (ص) ‏قد فعله وأصحابه ولكن كرهت أن يظلوا ‏معرسين بهن ‏في الأراك ثم يروحون في الحج تقطر رءوسهم”[8].
أما أصحاب الرأي الثاني فيستدلون على ذلك بجملة من الروايات منها ما رواه عمران بن سواده من أنه قال: صليت الصبح مع عمر… قلت: نصيحة، فقال: مرحبًا بالناصح غدوًا وعشيا، قلت: عابت أمتك منك أربعًا! قال: فوضع رأس درَّته في ذقنه ووضع أسفلها على فخذه ثم قال: هات، قلت: ذكروا أنك حرَّمت العمرة في أشهر الحج… وذكروا أنك حرَّمت متعة النساء وقد كانت رخصة من الله نستمتع بقُبضة ونفارق عن ثلاث، قال: إن رسول الله (ص) أحلها في زمان ضرورة ثم رجع الناس إلى السعة، ثم لم أعلم أحدًا من المسلمين عمل بها ولا عاد إليها، فالآن من شاء نكح بقُبضة وفارق عن ثلاث بطلاق[9]. وعن أبي نضرة، قلت لجابر بن عبدالله إن ابن الزبير ينهى عن المتعة، وإن ابن عباس يأمر بها، قال: فقال لي: على يدي جرى الحديث، تمتَّعنا مع رسول الله (ص) ومع أبي بكر، فلما ولي عمر خطب الناس فقال: إن القرآن هو القرآن وإن رسول الله (ص) هو الرسول، وإنهما كانتا متعتان على عهد رسول الله (ص) إحداهما متعة الحج والأخرى متعة النساء[10]، ومما يدل على استحسان المسلمين للمنع واستمرارهم عليه ما روي عن أن عبد الله بن الزبير قام بمكة فقال: إن أناسًا أعمى الله قلوبهم كما أعمى أبصارهم يُفتون بالمتعة، يُعرَّض برجل، فناداه فقال إنك لجلف جاف فلعمري لقد كانت المتعة تفعل على عهد إمام المتقين – يريد رسول الله (ص) – فقال له ابن الزبير: فجرِّب بنفسك فو الله لئن فعلتها لأرجمنَّك بأحجارك[11]. ويرى البعض أن تحريم عمر للمتعة جاء بعد تحريم الرسول لها قبيل وفاته؛ فعن ابن عمر: قال لما ولي عمر بن الخطاب خطب الناس فقال: إن رسول الله (ص) أذن لنا في المتعة ثلاثًا ثم حرَّمها، والله لا أعلم أحدًا يتمتع وهو مُحصِن إلا رجمته بالحجارة إلا أن يأتيني بأربعة يشهدون أن رسول الله (ص) أحلها بعد أن حرَّمها[12]. وربما يعزى تحريم المتعة إلى كثرة الجواري التي جاءت بها الفتوحات والتي فتحت أبوابًا جديدة للمتعة.
أما بشان ممارسة متعة الحج فهناك بعض التساؤلات حول النطاق الذي تمارس فيه، وهل كانت تمارس بين غير المتزوجين لاسيما النساء أم بين الحجيج جميعًا؟ فحصول متعة الحج في نطاق غير المتزوجين هو أمر طبيعي وليست هناك حاجة لتحريمه، ثم أن هذا لا يميزه عن “زواج المتعة” الذي كان شائعًا آنذاك، فيما يشار إلى متعة الحج كونها شيء مختلف وبالتالي فهي شعيرة قائمة بذاتها كانت تمارس في الحقبة الجاهلية وعهدي الرسول وأبي بكر، وهو فرض من لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام وصورته: أن يحرم بالعمرة إلى الحج ويلبي بها من الميقات في أشهر الحج: شوال وذي القعدة وذي الحجة ثم يأتي مكة ويطوف بالبيت سبعًا ويصلي ركعتي الطواف ويسعى بين الصفا والمروة سبعًا ثم يقصر فيحل له جميع ما حرم عليه بالإحرام، ويقم بمكة محلاً حتى ينشئ يوم التروية من تلك السنة إحرامًا آخر ويسمى هذا الحج بحج التمتع وعمرته بعمرة التمتع لقوله تعالى: “فمن تمتع بالعمرة إلى الحج”، ولأن الحاج يتمتع بالحل بين إحرامي العمرة والحج ومدة الحل بين الإحرامين هي متعة الحج.
وبالطبع فإن المقصود بمتعة الحج هو الممارسة الجنسية التي تحصل بين الحجاج من الجنسين أثناء الحج حيث تشير الروايات إلى أن الحجاج، لا سيما النساء منهم، كانوا يحجون وهم عراة، ففي تفسير الطبري للآية “يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ المسرفين”[13] أن النساء كن يطفن حول الكعبة وهن عراة. وفي موضع آخر بدون ثياب إلا أن تجعل المرأة على فرجها خرقة وتردد: اليوم يبدو بعضه أو كله فما بدا منه فلا أجله، فنزلت الآية: خذوا زينتكم عند كل مسجد. قال غندر وهي عريانة. وقال وهب كانت المرأة تطوف بالبيت وقد أخرجت صدرها وتقول اليوم يبدو بعضه أو كله وما بدا فلا أجله وما هنالك. قال غندر وتقول: من يعيرني تطوافًا تجعله على فرجها ثم تردد: اليوم يبدو بعضه أو كله وما بدا منه فلا أجله، ولذلك نزلت الآية لتؤكد هذا الطقس.
كذلك ورد عن ‏المكي بن ابراهيم ‏عن ‏ابن جريج: ‏قال ‏عطاء ‏قال ‏جابر ‏قال أبو عبد الله ‏وقال ‏محمد بن بكر البرساني ‏حدثنا ‏ابن جريج ‏قال أخبرني ‏عطاء ‏سمعت ‏جابر بن عبد الله ‏في أناس معه قال: أهللنا ‏أصحاب رسول الله ‏صلى الله عليه وسلم ‏في الحج خالصًا ليس معه عمرة قال ‏عطاء ‏قال ‏جابر ‏فقدم النبي ‏صلى الله عليه وسلم ‏صبح رابعة مضت من ذي الحجة فلما قدمنا أمرنا النبي ‏صلى الله عليه وسلم ‏أن نحل وقال ‏أحلوا وأصيبوا من النساء قال ‏عطاء ‏قال ‏جابر ‏ولم يعزم عليهم ولكن أحلهن لهم فبلغه أنا نقول لما لم يكن بيننا وبين ‏عرفة ‏إلا خمس أمرنا أن نحل إلى نسائنا فنأتي ‏عرفة ‏تقطر مذاكيرنا المني، قال ويقول ‏جابر ‏بيده هكذا وحركها فقام رسول الله ‏صلى الله عليه وسلم ‏فقال: قد علمتم أني أتقاكم لله وأصدقكم وأبركم ولولا هديي لحللت كما تحلون فحلوا فلو استقبلت من أمري ما استدبرت ما أهديت، فحللنا وسمعنا وأطعنا[14].
‏كذلك ورد عن ‏محمد بن حاتم ‏حدثنا ‏يحيى بن سعيد ‏عن ‏ابن جريج ‏أخبرني ‏عطاء ‏قال سمعت ‏جابر بن عبد الله ‏رضي الله عنهما ‏في ناس معي قال ‏أهللنا ‏أصحاب ‏محمد ‏صلى الله عليه وسلم ‏بالحج خالصًا وحده قال ‏عطاء ‏قال ‏جابر ‏فقدم النبي ‏صلى الله عليه وسلم ‏صبح رابعة مضت من ذي الحجة فأمرنا أن نحل قال ‏عطاء ‏قال حلوا وأصيبوا النساء قال ‏عطاء ‏ولم يعزم ‏عليهم ولكن أحلهن لهم فقلنا لما لم يكن بيننا وبين ‏عرفة ‏إلا خمس أمرنا أن ‏نفضي إلى نسائنا ‏فنأتي ‏عرفة ‏تقطر ‏مذاكيرنا المني قال يقول ‏جابر ‏بيده كأني أنظر إلى قوله بيده يحركها قال فقام النبي ‏صلى الله عليه وسلم ‏فينا فقال: قد علمتم ‏أني أتقاكم لله وأصدقكم وأبركم ولولا ‏هديي ‏لحللت كما تحلون ولو ‏استقبلت ‏من أمري ما استدبرت لم أسق ‏الهدي ‏فحلوا فحللنا وسمعنا وأطعنا. قال ‏عطاء ‏قال ‏جابر ‏فقدم ‏علي ‏من ‏سعايته ‏فقال بم ‏أهللت ‏قال بما أهل به النبي ‏صلى الله عليه وسلم ‏فقال له رسول الله ‏صلى الله عليه وسلم ‏فأهد ‏وامكث حرامًا قال وأهدى له ‏علي ‏هديًا ‏فقال ‏سراقة بن مالك بن جعشم ‏يا رسول الله ألعامنا هذا أم لأبد فقال لأبد[15].
وأخرج مسلم عن جابر أنه قال: أقبلنا مهلِّين مع رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) بحجٍّ مفرد، وأقبلت عائشة (رضي الله عنها) بعمرة، حتى إذا كنا بسَرِف عركت حتى إذا قدمنا طُفنا بالكعبة والصفا والمروة، فأمرنا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يُحل منا من لم يكن معه هدي، قال: فقلنا: حلُّ ماذا؟ قال: الحلُّ كلُّه، فواقعنا النساء وتطيَّبنا بالطيب ولبسنا ثيابنا وليس بيننا وبين عرفة إلا أربع ليال، ثمَّ أهللنا يوم التروية[16]. وفي رواية أخرى قال: خرجنا مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) مهلِّين بالحج معنا النساء والولدان، فلما قدمنا مكة طفنا بالبيت وبالصفا والمروة، فقال لنا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): من لم يكن معه هدي فليحلل، قال: قلنا: أيُّ الحل؟ قال: الحلُّ كلُّه، قال: فأتينا النساء ولبسنا الثياب ومسسنا الطيب، فلمَّا كان يوم التروية أهللنا بالحج[17]. وأخرج مسلم عن عطاء، قال:
حدَّثني جابر بن عبد الله الأنصاري أنه حجَّ مع رسول الله عامَ ساق الهدي معه، وقد أهلُّوا بالحجِّ مفردًا، فقال رسول الله: أحلُّوا من إحرامكم فطوفوا بالبيت وبين الصفا والمروة وقصِّروا وأقيموا حلالاً، حتى إذا كان يوم التروية فأهلًّوا بالحجّ، واجعلوا التي قدمتم بها متعة، قالوا: كيف نجعلها متعة وقد سمينا الحج؟ قال: افعلوا ما آمركم به فإني لولا أني سقت الهدي لفعلت مثل الذي أمرتكم به ولكن لا يحلُّ مني حرام حتى يبلغ الهدي محله، فافعلوا[18].
أخرج البخاري عن ابن عباس أنه سئل عن متعة الحجِّ، فقال: أحلَّ المهاجرون والأنصار وأزواج النبي في حجَّة الوداع وأهللنا، فلمَّا قدمنا مكة، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): اجعلوا إهلالكم بالحجِّ عمرة إلا من قلَّد الهدي، طفنا بالبيت وبالصفا والمروة وأتينا النساء ولبسنا الثياب[19]. وروى مسلم عن جابر بن عبد الله (رضي الله عنه) قال: أهللنا مع رسول الله بالحجِّ، فلمَّا قدمنا مكة أمرنا أن نحلَّ ونجعلها عمرة، فكبر ذلك علينا وضاقت به صدورنا، فبلغ ذلك النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فما ندري أشي بلغه من السماء أم شي من قبل الناس، فقال: أيها الناس أحلُّوا فلولا الهدي الذي معي، فعلتُ كما فعلتم، قال: فأحللنا حتى وطئنا النساء وفعلنا ما يفعل الحلال حتى إذا كان يوم التروية وجعلنا مكة بظهر، أهللنا بالحج[20]. وفيما يخص هذه الممارسة هناك دلائل إلى أنها كانت موجودة قبل الإسلام بفترة طويلة، وهناك من يشير إلى أنها بدعة قرشية إذ شرَّعت قريش للحجيج أن يطوفوا عراة ما لم يذهبوا إلى عرفة فإذا ما رجعوا منها لم يطوفوا طواف الإفاضة بالبيت إلا عراة أو في ثوبي احمسي، ومن طاف بثوبيه لم يحل له أن يلبسهما، ومن خلع ثيابه وضعهما على خشبة في الكعبة، ثم حرَّم الإسلام طواف العراة فقد قرأ علي بن أبي طالب براءة إلى الناس يوم النحر “… لا يحج بعد اليوم مشرك ولا يطوف عريان”[21]. ولكن ما الذي يدعوا الحجيج إلى الطواف وهم عراة بحيث تستر المرأة عورتها بخرقة صغيرة؟ أليس في هذا دليلاً على وجود نوع من الشعائر الجنسية التي كانت موجودة لدى الوثنيين قبل الإسلام؟ ولعل مما يدعم هذا القول عبادة الصنمين (أساف) و(نائلة) اللذان قيل عنهما إنهما كانا حاجان مارسا الجنس في الكعبة فمسخا صنمين. وهذه القصة التي تناولها المؤرخون ربما هي التي تسمح لنا بتأكيد وجود هذه الشعيرة لأن أساف ونائلة إذا كانا قد أذنبا كما تزعم الرواية فلماذا أصبحا من معبودات العرب؟ ولماذا لم يرجمان كما يرجم الشيطان أثناء أداء الحجيج لشعيرة الحج؟ لا شك أن هذان الصنمان كانا مرتبطان بشعيرة الجنس المقدس الجاهلية قبل أن يتم طمسها في وقت لاحق، وقد قيل أن أبو ذر سمع امرأة تطوف بالبيت وتدعوا دعاءً جميلاً ثم تختتم دعائها بالمناداة “يا أساف يا نائلة”[22].
‏إن مما يدل على ممارسة المتعة في موسم الحج وجود شعيرة طواف النساء التي بدونها يحرم على المرء زوجه، فهي إيذان بانتهاء المتعة المقدسة والعودة إلى الزمن الطبيعي. والسؤال الذي يفرض ذاته هو: من أين جاءت هذه الشعيرة؟ وهل يمكن أحالتها إلى أصول بدوية أم أنها شعيرة وافدة من الحضارات المجاورة؟ وللإجابة نقول إن شعائر كهذه قد لا تكون غريبة عن الوسط البدوي الذي اعتاد على المشاعية، لكن أن يمارس في طقس ديني بحجم الحج فهو ما يثير الغرابة والتساؤل، وإذا ما كان هذا الطقس قد وفد من إحدى الحضارات المجاورة فلا بد أن يكون له نظير فيها وهذا ما يمكن أن يصدق على طقس الزواج المقدس المشهور في الحضارة الرافدية. فإذا كان طقس الزواج المقدس يهدف إلى إدامة الخصب الذي تحتاجه الحياة فمتعة الحج تحمل هذا الهدف أيضًا ناهيك عن كونها تمارس في مكان مقدس (الكعبة) التي هي نظير المعابد في الحضارة الرافدية. أما كيف وصلت هذه الشعيرة إلى جزيرة العرب، ولماذا أصبحت من الطقوس المشهودة لدى العرب الوثنيين؛ فهذا ما يجب أن يدرس بعناية ودقة ولنأمل أننا قادرين على ذلك.
*** *** ***

horizontal rule

[1] البقرة: 196.

[2] البيان والتبيين للجاحظ، 2/223. وراجع الطحاوي في كتابه: شرح معاني الآثار، مناسك الحج، ص 374 عن ابن عمر.

[3] مسند أحمد 3/363، ونظيره في ص 356 منه، وفي ص 325 منه بإيجاز.

[4] تفسير السيوطي 2/141. وكنز العمال، ط 1، 8/293.

[5] صحيح البخاري، كتاب الحج، باب التمتع على عهد رسول الله (ص)، ص 1497.

[6] صحيح البخاري، كتاب تفسير القرآن، سورة البقرة، فمن تمتع بالعمرة إلى الحج، ص 4246.

[7] مسند أحمد، مسند العشرة المبشرين بالجنة، مسند الخلفاء الراشدين، أول مسند عمر بن الخطاب، ص 344.

[8] صحيح مسلم، كتاب الحج، باب في نسخ التحلل من الإحرام والأمر بالتمام، ص 1222.

[9] تاريخ الطبري، ج 5، ص 32.

[10] مسند أحمد، ج 1، ص 52.

[11] مسلم، ج 4، ص 133.

[12] ابن ماجة، ج 1، ص 605.

[13] سورة الأعراف، الآية 31.

[14] صحيح البخاري: 2/142، باب التمتع والاقران والافراد بالحج.

[15] صحيح مسلم: 3/36، باب بيان وجوه الإحرام وأنه يجوز افراد الحج والتمتع والقران.

[16] صحيح مسلم: 4/35، باب وجوه الإحرام.

[17] صحيح مسلم: 4/36، باب وجوه الإحرام.

[18] صحيح مسلم: 4/37، باب وجوه الإحرام.

[19] صحيح البخاري: 2/144، باب قول الله لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام.

[20] صحيح مسلم: 3/37، باب بيان وجوه الإحرام وأنه يجوز أفراد الحج والتمتع والقران.

[21] هالة الناشف، أديان العرب ومعتقداتها في طبقات ابن سعد، رسالة ماجستير منشورة، الجامعة الأميركية، بيروت، 1972، ص 66.

[22] المصدر نفسه، ص 12.

 

 

 

قراءة في السيرة النبوية

لا يخفى علينا أنّ السيرة النبويّة، بصحيحها وضعيفها، مكتوبة بعد أكثر من قرن ونصف من وفاة النبيّ محمّد، اعتمد فيها الإخباريّون على قناة شفويّة تمرّ من جيل إلى جيل، عبر قال فلان وقال فلتان وحدّثني علاّن.

وهذا النوع من الأخبار يدخل في باب الموروث الشعبيّ والإشاعات والأساطير أكثر ممّا يدخل في باب الحقائق التاريخيّة، ولا يُعتدّ بمعلومات كهذه في الأبحاث العلميّة التي تقوم على الأركيولوجيا أو على أقلّ تقدير تبحث في تنوّع النصوص. فينبغي ألاّ نعتمد على السيرة العربيّة وحدها، وأن نبحث أيضا في النصوص الأجنبيّة اليونانيّة والسريانيّة وغيرها، المعاصرة لتلك الفترة، حتّى يمكننا المقارنة بين الروايات واستخلاص بعض الحقائق التاريخيّة التي قد تتجاهلها السيرة العربيّة، بسبب الدوافع الدينيّة والسياسيّة، فتقدّم لنا مثالا أو صورة عن النبيّ محمّد كما ينبغي لها أن تكون وليس كما كانت حقيقةً.

تاريخ الولادة:

وصلتنا عن تاريخ ولادة النبيّ حزمة من الأخبار المختلفة، ومن ضمن هذه المعلومات التي دوّنها لنا الإخباريّون بغثّها وغثيثها:

1- عن سويد بن غفلة أنه قال‏ :‏ أنا لدة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولدت عام الفيل‏.‏

2- عن أبي جعفر الباقر ‏:‏ كان قدوم الفيل للنصف من المحرّم، ومولد رسول الله بعده بخمس وخمسين ليلة‏.

3- والمقصود أنّ رسول الله ولد عام الفيل على قول الجمهور، فقيل‏ :‏ بعده بشهر، وقيل ‏:‏ بأربعين يوماً، وقيل‏:‏ بخمسين يوماً – وهو أشهر -‏.‏

هذا التاريخ هو الذي اتّفقت عليه الرواية الرسميّة، وهو أنّ النبيّ ولد عام الفيل، ونحدّده بحوالي 570 ميلادي، وصار هذا الأمر حقيقة مسلّمة، ولكنّ الإخباريّين، كما قلنا، ألقوا إلينا بحزمة من المعلومات :

4- وقيل‏ :‏ قبل الفيل بثلاث وعشرين سنة‏

5- وقال أبو زكريا العجلاني‏ :‏ بعد الفيل بأربعين عاماً‏.‏ رواه ابن عساكر.

6- عن ابن عباس قال‏ :‏ ولد رسول الله قبل الفيل بخمس عشرة سنة‏.‏

7- وقيل‏ :‏ بعد الفيل بثلاثين سنة‏.‏ قاله موسى بن عقبة عن الزهري.‏

فماذا تقول الأركيولوجيا؟

النقوش الأركيولوجيّة [وهي أصحّ من التاريخ المكتوب] وكذلك الأبحاث تشير إلى أنّ أبرهة قام بمهاجمة عرب جنوب الحجاز بين سنوات 540 و 552 ميلادي تقريبا، أي بين ثلاث وعشرين سنة وثلاثين سنة قبل مولد النبيّ، ولذلك فإنّ رواية موسى بن عقبة صحيحة [وبالمناسبة تُعتبر مغازي موسى بن عقبة أصحّ المغازي على حدّ قول أنس ولكن لم تصلنا كاملة] وتاريخ ولادة النبيّ لا علاقة له بسورة الفيل، إن اعتمدنا بعض سور القرآن كوثائق تاريخيّة أيضا، حيث يقول: “ألم تر كيف فعل ربّك بأصحاب الفيل” الخ… وهذا لا يعني أنّ النبيّ مولود عام الفيل، وذلك كما يقول: “ألم تر كيف فعل ربّك بعاد”، فهذا لا يعني أنّّ النبيّ مولود في زمن عاد، وإنّما القرآن يروي حادثة وقعت في مكان ما لأصحاب الفيل، كما أنّه غنيّ عن الإشارة أنّ سورة الفيل لا تذكر أبرهة ولا مكّة ولا مهاجمة الكعبة. فالقرآن لا يوثّق أيضا هذه الحادثة ولا يربطها بولادة النبيّ، وأبرهة لم يصل إلى مكّة ولم يهاجمها وإنّما توقّفتْ حملته في جنوب الحجاز وعادتْ، وقد تكون القصّة أصبحت أسطورة ودخلت في الموروث الشعبيّ بعد مائتيْ سنة، ثمّ ربطها الإخباريّون بوقت ولادة النبيّ محمّد لإضفاء بعض المعجزات عليه وعلى الكعبة قبل ولادته وربطها بسورة الفيل في القرآن.

وأبرهة لم يهاجم الكعبة وإنّما توقّف في جنوب الحجاز على مسافة أربعمائة كيلومتر من مكّة، ونحن نعرف نقوش أبرهة وهي ثلاثة نقوش، الأوّل تحت الرمز CIH 541 وهو نقش بتاريخ 549 ميلادي، والثاني تحت الرمز RY 506 بتاريخ 552 ميلادي، والثالث تحت الرمز Ja 544-547 بتاريخ 558 ميلادي، وعلى الأغلب فإنّ أبرهة توفّي قبل سنة 560 ميلادي، والنقش الذي يهمّنا هنا هو نقش بئر المريغان RY506 المؤرّخ بسنة 552 ميلادي ويشير النقش إلى أنّها الحملة الرابعة لتأديب القبائل العربيّة الثائرة، وكان ذلك في شهر أفريل إثر ثورة بني عامر، ويذكر الأماكن التي خرجت لأجلها هذه الحملة وهذا هو نصّ النقش :

بقوّة الرحمن ومسيحه الملك أبرهة زيبمان ملك سبأ وذي ريدان وحضرموت ويمنات وقبائلهم (في) الجبال والسواحل، سطر هذا النقش عندما غزا [قبيلة] معد [في] غزوة الربيع في شهر “ذو الثابة” (أبريل) عندما ثاروا كل [قبائل] بنى عامر، وعيّن الملك [القائد] “أبا جبر” مع [قبيلة] علي [علا؟ علي؟] [والقائد] “بشر بن حصن” مع [قبيلة] سعد [وقبيلة] مراد، وحضروا أمام الجيش ـ ضد بنى عامر [وقد وجّهت] كندة وعلي في وادي “ذو مرخ” ومراد وسعد في واد على طريق تربن وذبحوا وأسروا وغنموا بوفرة وحارب الملك في حلبن واقترب كظل معد (وأخذ) أسرى وبعد ذلك فوّضوا [قبيلة معد] عمرو بن المنذر [في الصلح] فضمنهم ابنه (عروة) (عن أبرهة) [فعيّنه حاكماً على] معد ورجع (أبرهة) من حلبن بقوة الرحمن في شهر ’’ذو علان’’ في السنة الثانية والستين وستمائة [552 ميلادي] (1) وكما يذكر هذا النقش فإنّ أبرهة لم يذهب بنفسه وإنّما توقّف على مسافة أربعمائة كيلومتر جنوب مكّة وأرسل بعض الحملات المتفرّقة، هنا وهناك، وأقرب منطقة وصلتها حملته هي قوله : (في واد على طريق تربن) وهو أنّ (تربن) من الممكن أن تكون مكانا يقع على بعد 190 كيلومترا شرق مكّة (2) لكن تظلّ مكّة في كلّ الحالات بعيدة عن حملة أبرهة أركيولوجيّا وقرآنيّا أيضا، كما أنّ أبرهة عاد منتصرا ولم يتعرّض لا لطيور أبابيل ولم يصبح كالعصف المأكول.

وقد تتبّعت جذور هذه القصّة فوجدت أنّ مصدرها ابن اسحاق في السيرة، وقد نقل عنه الجميع فيما بعد وصارت القصّة مسلّمة بديهيّة. ولحسن الحظّ فقد وصلنا تفسير مقاتل بن سليمان -المتوفّى حوالي سنة مائة وخمسين للهجرة (3) وهو معاصر لابن إسحاق، لكنّ تفسير مقاتل لسورة الفيل يختلف تماما عن قصّة ابن إسحاق، ممّا يشير إلى أنّ القصّة لم تكن أخذت صورتها النهائيّة التي نعرفها اليوم، وإنّما كانت ضبابيّة في الذاكرة، ولنستمع ماذا يقول مقاتل: ألم تر (ألم تعلم يا محمد) كيف فعل ربك بأصحاب الفيل [ آية : 1 ] يعني أبرهة بن الأشرم اليماني وأصحابه، وذلك أنه كان بعث أبا يكسوم بن أبرهة اليماني الحبشي، وهو ابنه، في جيش كثيف إلى مكة، ومعهم الفيل ليخرب البيت الحرام، ويجعل الفيل مكان البيت بمكة، ليعظم ويعبد كتعظيم الكعبة، وأمره أن يقتل من حال بينه وبين ذلك، فسار أبو يكسوم بمن معه حتى نزل بالمعمس، وهو واد دون الحرم بشيء يسير، فلما أرادوا أن يسوقوا الفيل إلى مكة لم يدخل الفيل الحرم، وبرك، فأمر أبو يكسوم أن يسقوه الخمر، فسقوه الخمر ويردونه في سياقه، فلما أرادوا أن يسوقوه برك الثانية، ولم يقم وكلما خلوا سبيله ولّى راجعاً إلى الوجه الذي جاء منه يهرول، ففزعوا من ذلك، وانصرفوا عامهم ذلك.

فمقاتل يتحدّث عن ابن أبرهة وليس أبرهة نفسه بل ويؤكّد قائلا: (وهو ابنه) كما أنّ الفيل لم يفعل شيئا وعاد في ذلك العام، والقصّة طويلة حيث سيخرج بعد سنتين بعض تجّار قريش إلى الساحل وسيشعلون بعض النار لشواء بعض الأطعمة ثمّ يذهبون وينسون النار مشتعلة، فهبّت ريح وحملت بعض اللهب إلى كنيسة في ذلك المكان فاحترقت هذه الكنيسة فغضب النجاشيّ وأعاد إرسال بعثة أخرى لكنّ الله أرسل عليهم طيرا أبابيل وقضى عليهم، ثمّ لنستمع إلى ما يقول مقاتل في الأخير: (وكان أصحاب الفيل قبل مولد النبي بأربعين سنة، وهلكوا عند أدنى الحرم، ولم يدخلوه قط.) (4) فعند مقاتل فإنّ مولد النبيّ كان أربعين سنة قبل الفيل. وتجدر الإشارة إلى أنّ تفسير مقاتل يُعتبر ضعيفا ولا يُؤخذ به، ولكنّنا في البحث العلمي نضع كلّ الروايات جميعها بصحيحها وضعيفها سواسية على محكّ العلم، فما وافقه منها فهو صحيح.

وكما عدنا إلى أقدم تفسير للقرآن -وليس الطبري كما هو شائع- نعود أيضا إلى أقدم كتاب في الحديث وهو مصنّف عبد الرزاق المتوفّي سنة مائتين وإحدى عشرة للهجرة (5) ونقرأ هذه الرواية عن الزهريّ : إنّ أوّل ما ذكر من عبد المطلب جدّ رسول الله أنّ قريشا خرجت من الحرم فارّة من أصحاب الفيل وهو غلام شابّ (…) فرجعت قريش، وقد عظم فيهم بصبره وتعظيمه محارم الله، فبينا هو على ذلك ولد له أكبر بنيه، فأدرك، وهو الحارث بن عبد المطلب (6) فالفيل في هذه القصّة كان قبل ولادة ابن عبد المطّلب الأكبر، بينما عبد الله أبو النبيّ هو أصغر أبناء عبد المطّلب، حسب السيرة.

إذن، وللتلخيص، فإنّ أبرهة هاجم عرب شمال اليمن أربع مرّات ولم يصل أبدا إلى مكّة، وكان ذلك قبل مولد النبيّ بعشرين سنة على أقلّ تقدير فتناقل السكّان تلك الحادثة التي بقيت في الذاكرة وتداولوها شفويّا ثمّ ربطها الإخباريّون بسورة الفيل.

أمّا إن اعتمدنا الرواية الرسميّة، أي على قول الجمهور، وعلى الأركيولوجيا في الوقت نفسه وجعلنا النبيّ مولودا عام الفيل فعلا أي على أقصى تقدير سنة 552 ميلادي [مع التحفّظ] فإنّ النبيّ يكون قد توفّي عن سنّ تناهز ثمانين عاما.

وإذ نستطيع مقارنة الروايات الإسلاميّة مع الأركيولوجيا في تاريخ ولادة النبيّ فإننا نستطيع مقارنة تاريخ وفاته أيضا بالروايات الأجنبيّة، وإذا عدنا إلى بعض المخطوطات السريانيّة نجد أنّ حكم النبيّ كان سبع سنوات: (7)

1-تاريخ زقنون (مكتوب قبل سنة 140هجري) (8)

2-تاريخ يعقوب الأديسي (مكتوب قبل 75 هجري) (9)

3-تاريخ قصير (الكاتب مجهول، مكتوب قبل 80 هجري) (10)

وكلّ هذه المخطوطات مكتوبة قبل السيرة العربيّة، فهي أقرب إلى الأحداث، ولنأخذ مثلا هذا التاريخ القصير، وجاء فيه :

محمّد (مهمت) جاء إلى الأرض سنة 932 لإسكندر بن فيليبس المقدوني (620-621 ميلادي) وحكم سبع سنوات.

ثمّ حكم أبو بكر لمدّة سنتين.

ثمّ حكم عمر لمدّة اثنتي عشرة سنة.

ثمّ حكم عثمان لمدّة اثنتي عشرة سنة، وظلّت العرب طوال معركة صفّين (صافا) بلا أمير لمدّة خمس سنوات ونصف.

ثمّ حكم معاوية لمدّة عشرين سنة.

ثمّ حكم يزيد (إيزيد) بن معاوية لمدّة ثلاث سنوات ونصف.

[ومكتوب في هامش المخطوط: بعد يزيد ظلّت العرب لمدّة سنة بلا أمير]

ثمّ بعدهم حكم عبد الملك لمدّة واحد وعشرين سنة.

ثمّ تسلّم الحكم ابنه الوليد بداية من شهر تشرين للسنة العالميّة 1017 (يوافق شهر أكتوبر 705 ميلادي) (11)

فالسيرة تؤكّد أنّ النبيّ عاش عشر سنوات في يثرب بينما المخطوطات السريانيّة الثلاث المكتوبة قبل تدوين السيرة تشير إلى أنّ محمّدا لم يحكم إلاّ سبع سنوات، فيكون قد توفّي عن سنّ ستّين سنة – إن صحّ تاريخ مولده – وقد أشرنا إلى أنّ الإخباريّين ألقوا إلينا بحزمة من المعلومات ووصلنا هذا الأمر أيضا في الروايات الإسلاميّة :

أخبرنا أنس بن عياض أبو ضمرة الليثي، حدثني ربيعة بن أبي عبد الرحمن أنه سمع أنس بن مالك وهو يقول: توفّي رسول الله، وهو ابن ستين سنة.(12)

أخبرنا عبد الله بن عمر وأبو معمر المنقري، أخبرنا عبد الوارث بن سعيد، أخبرنا أبو غالب الباهلي أنه شهد العلاء بن زياد العدوي يسأل أنسا بن مالك قال : يا أبا حمزة سن أي الرجال كان رسول الله، يوم توفي؟ قال: تمت له ستون سنة يوم قبضه الله. (13)

أخبرنا الأسود بن عامر والحجاج بن المنهال قالا : أخبرنا حماد بن سلمة عن عمرو بن دينار عن عروة قال: بعث النبي، وهو ابن أربعين سنة ومات وهو ابن ستين سنة. (14)

لكن الرواية الرسميّة اختارتْ أن تكون وفاة النبيّ في سنّ 63 سنة، (على أيّ أساس؟)كما اختارتْ أن يكون تاريخ ولادته عام الفيل.(على أيّ أساس؟) لكن تظلّ هذه التواريخ، من الجانبين، الإسلامي والأجنبي، تقريبيّة وغير دقيقة.
محمد النجار

الهوامش:

1- Journal Asiatique/A.L.Premare/V.288/T2/2000/p261-367
2- Ibidem.
3- الذهبي/ سير أعلام النبلاء/ ج7/ص202/ تحقيق: بإشراف شعيب الأرناءوط/مؤسّسة الرسالة/1985
4- تفسير مقاتل بن سليمان/سورة الفيل/تحقيق أحمد فريد/دار الكتب العلميّة/لبنان/2003
5- الحافظ الذهبي/سير أعلام النبلاء/ج9/ص563، مصدر سابق
6- مصنّف عبد الرزاق/ج5/ص313/دار المكتب الإسلامي/بيروت/1982
7- Hoyland/Seeing Islam as others saw it/p395/The Darwin Press/USA/1997
8- Ibidem/p409
9- Ibid/p160
10- Ibid/p393
11- Ibid/p394
12- ابن سعد/الطبقات/ج2/ص301/تحقيق: علي محمّد عمر/مكتبة الخانجي/مصر/2001
13- المصدر السابق
14- المصدر السابق

11.jpg

الشيطان في الكتاب المقدس

← اللغة الإنجليزية: Satan, Devil – اللغة العبرية: הַשָּׂטָן – اللغة القبطية: Pcatanac.

(1) ترجمة الكلمة العبرية شطن ومعناها “مقاوم” ويسمى في اليونانية “ديابولس Diabolos” ومعناها “مشتك”. ويسمى أيضًا ابدّون وابولّيون أي مهلك وملاك الهاوية (رؤ 9: 11)، وبعلزبول (مت 12: 24)، وبليعال (2 كو 6: 15)، ورئيس هذا العالم (يو 12: 31)، ورئيس الشياطين (مت 9: 34) ورئيس سلطان الهواء، الروح الذي يعمل الآن في أبناء المعصية (اف 2: 2)، وإله هذا الدهر (2 كو 4: 4) وإبليس والقتال، وكذاب أبو الكذاب (يو 8: 44)، والمشتكى على الأخوة (رؤ 12: 10)، وخصمنا الأسد الزائر (1 بط 5: 8)، والتنين أي الحية القديمة (رؤ 12: 9). وهو كبير الأرواح الساقطة (رؤ 12: 9 ومت 4: 8-11 و13: 38 و39 و25: 41 وقارن يه 6).

والشيطان كائن حقيقي. وهو اعلى شأنًا من الإنسان. ورئيس رتبة من الأرواح النجسة (مت 12: 24). ويسجل لنا الكتاب المقدس طبيعته وصفاته وحالته وكيفية اشتغاله وأعماله ومقاصده.

St-Takla.org Image: Lucifer, the Morning Star, the Fallen Angel

صورة: لوسيفر، زهرة بنت الصبح، الملاك الساقط

أما طبيعة الشيطان فهي روحية. وهو ملاك سقط بسبب الكبرياء. ورغم ذلك فهو يمتاز بكل امتيازات هذه الرتبة من الكائنات سواء أكانت عقلية كالإدراك والذاكرة والتمييز أو حسيّة كالعواطف والشهوات أو إرادية كالاختيار (اف 6: 12). وهو خبيث. فإنه قائد العصاة على الله. يعمل ضد البر والقداسة، ومملوء بالكبرياء والمكر والقساوة. حالته تنطبق على صفاته. فلكونه عدو الله، هو مطرود من وجهه، ومحبوس مع رفاقه في موضع العذاب، حيث يعاقب على العواطف النجسة التي فيه، والأعمال الخبيثة الناتجة عنها (2 بط 2: 4 ويه 6).

غير أن طرده إلى عالم الظلمة لا يمنع اشتغاله في الأرض كإله هذا العالم، وعدو الإنسان اللدود (1 بط 5: 8 و2 كو 2: 11). فكره مشتغل على الدوام بالمقصاد والأعمال التي مآلها قلب مقاصد الله وأعماله. وهو في ذلك كسائر ملائكته جسور مغامر. أما عمله بين الناس منذ البدء، فهو الغدر والمخاصمة والظلم والقساوة. وهو بشخصه أو بواسطة ملائكته يجرب الناس للخطيئة أو يصدهم عن القداسة ويشتكي عليهم بالخطيئة والضعف وعدم الثبات نحو بعضهم ونحو الله. ويعرّضهم للشقاوة الحالية والمستقبلة (أيوب 1 و2 ومت 4: 1-11 ويو 8: 44 واع 26: 18 و1 كو 7: 5 و2 كو 2: 11 واف 6: 11 و1تس 3: 5 ورؤ 12: 10). وعلى المؤمن أن يقاوم بشدة ولا يخضع له (اف 4: 27 ويع 4: 7). فعند بذر البذار الحية، أي كلمة الله، يسرقها الشيطان (لو 8: 12)، أو يزرع معها زوانًا (مت 13: 38). وهو بهذا يريد أن يتسلط على الناس (اع 10: 38).

أما أعوانه في هذه التجارب فهم عصبة الأرواح الساقطة الذين شاركوه في العصيان الأول، ويعملون معه لمخالفة إرادة الله، وضرر أولاد الأبرياء (اف 6: 11 و2تي 2: 26). ويظهر أن الشيطان بسماح من الله اكتسب بعض السلطان على عناصر العالم الهيولية، وهو يستخدمها لمقاصده الخبيثة. علمًا بأنه ذكي، يعرف صفات الإنسان، وطباعه، وأمياله، ويستخدمها للإيقاع به في الخطيئة. ومن يتشرب بتلك صار وكيلًا للشيطان في التغرير بالآخرين وإسقاطهم في مهاوي الشر والرذيلة. (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و الكتب الأخرى). فمن يصير لهم هذا المشرب وتلك الطباع يلقبون بأبناء الشيطان (يو 8: 44 و1 يو 3: 8 و10). بل إن المسيح دعا يهوذا الاسخريوطي شيطانًا (يو 6: 70).

أما كيفية الإيقاع بالناس في الخطيئة وتجربتهم فهي مزدوجة: طريق الغش وطريق الاحتيال. فالشيطان يتقلد مظهر ملاك نور أحيانًا (2 كو 11: 14) وتنّين أحيانًا أخرى. وأحيانًا وأحيانًا يحتال على الناس بأن يقدم الصورة المقبولة لهم (تك 3: 1-13). ويخفي وراءها شرًا مميتًا. ويمنع الناس عن فعل الخير (مر 4: 15) وذلك بأن يصدهم عن إتمام مقاصدهم (زك 3: 1و 2).
فإن الشيطان، منذ أن أخضع آدم وحواء في جنة عدن، أخضع كل جنسنا تحت صولته الظالمة، لأنه خدع الجميع (اف 2: 1-3 ورؤ 12: 9). وقد جرّب الجميع للخطيئة حتى المسيح في البرية ولكن المسيح قهره وانتصر عليه (مت 4: 1 ويو 12: 13).

وقد أطلقت كلمة شياطين في الجمع على الأرواح الشريرة وهي رسل مرسلة من قبل الشيطان، وتحت أمره وسلطانه (مت 9: 34 و12: 24). أما تلك الأرواح الشريرة، فقد كانت تدخل الناس والبهائم فتحدث فيهم أعراض الجنون والصراع.

وكان دخول الشياطين في الناس أمرًا حقيقيًا، ظهر على هيئة أمراض جسدية وعقلية والخرس (مت 9: 32) والعمي (مت 12: 22) والصرع (مر 9: 17-27) والجنون (مت 8: 28). وقد أخرج الرب هؤلاء الشياطين فعلًا. وقد ظهر أن اولئك الشياطين قد عرفوا يسوع يقينًا وخافوا الدينونة. وكانوا يتكلمون وينتقلون من إلى آخر وإلى البهائم. وقد وجدت الشياطين نفسها مرغمة على الاعتراف بالمسيح ربًا وإلهًا. وفي ضوء هذا الشرح نفهم قصة المجنون الذي خرج من بين القبور (مر 5: 1-20). وقد صرح المسيح بأن هذه الأعراض أحيانًا ما تكون من نتيجة عمل الشيطان (مت 12: 24-28 ولو 4: 35 و10: 18). ولكن لا يجب أن ننسى أن المسيح جاء لكي ينقض أعمال إبليس (1 يو 3: 8). أما نهاية الشيطان فإنه سيقبض عليه ويقيد بالسلسلة ويطرح في الهاوية ويختم عليه لكي لا يضل الأمم فيما بعد. وفي النهاية يطرح في بحيرة النار والكبريت ويعذب نهارًا وليلًا إلى الأبد الآبدين (رؤ 20: 1 و2و 10).

قاموس الكتاب المقدس | دائرة المعارف الكتابية المسيحية

الإسلام منظومة سياسية لا يمكن إصلاحها ــ د. كامل النجار

الإسلام منظومة سياسية لا يمكن إصلاحها 1-2
المسيحية سبقت الإسلام بحوالي ستمائة عام تقريباً. ورغم أن المسيحية بدأت كمنظومة دينية متسامحة مع نفسها ومع الغير، ولم تتطرق إلى السياسة أو الحكم في تشريعاتها بخلاف “اعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله”، نجد أن البابوات وكهنوت الكنيسة الكاثوليكية استطاعوا أن يسيطروا على السياسة في أوربا من وراء الكواليس وجعلوا الملوك والأمراء واجهةً لحكمهم. واستمر هذا الوضع حتى جاء عصر التنوير في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، فتلاشت سلطة الكنيسة السياسية. ومما ساعد على تقلص سلطة الكنيسة هو وجود منظومة تركز السلطة الدينية في شخص البابا الذي يخضع لكلمته كل الأشخاص الكاثوليك بما فيهم الكهنوت. ومما لا شك فيه أن كل الأديان تدخلت في السياسة لتضمن عائداً مادياً مريحاً لرجال الكهنوت.
أنبياء بني إسرائيل على كثرتهم كان لهم دور سياسي واضح، كما يقول البروفسور السوداني محمد محمود، أستاذ علم الأديان المقارنة، في كتابه ’نبوة محمد، التاريخ والصناعة‘ : “ويظهر دورهم [أنبياء إسرائيل] السياسي بجلاء في علاقتهم الوثيقة بالبلاط ومشاركتهم في إلهاب الشعور القومي. هؤلاء الأنبياء كانوا أنبياء “شعبيين” وينتمون لطور النبوة السابق على النبوة الكلاسيكية.” (ص 14).
بالنسبة للإسلام، فإن محمداً ترعرع في بيئة يعبد أغلب أهلها الأصنام كوسيلة لتقريبهم إلى الله، وقد كانت بيئتهم تعرف التوحيد، والصلاة، والصيام والزكاة من اليهودية والمسيحية والأحناف، وعرفت الحج من ماضيها الوثني. وبالتالي لم يكن هناك أي جديد يستطيع محمد أن يأتي به ليقنع الوثنيين أنه جاءهم برسالة دينية جديدة. فكانت رسالته منذ البداية رسالة سياسية أراد بها أن يسيطر على العرب والعجم. ويظهر هذا جلياً في المقولة المنسوبة له عندما اجتمع مع أعيان مكة في بيت عمه أبي طالب، قال وقتها مخاطباً عمه أبا طالب: “أدعوهم إلى أن يتكلموا بكلمة تدين لهم بها العرب ويملكون بها العجم.” (جامع البيان في تأويل القرآن، للإمام القرطبي، جزء 23، سورة ص). فإذاً رسالته كانت للسيطرة على العرب والعجم وليست لأغراض دينية. الدين هنا كان عبارة عن الوسيلة التي يصل بها إلى هدفه
ولأن الرسالة كانت سياسية منذ البدء، نجد أن محمداً قد دخل في معاهدات عديدة مع القبائل العربية المختلفة ليحيّد بعضها وليثير العداوات بين بعض القبائل مما يصب في مصلحته هو. وبدأ غزواته التي قطعت الطريق وقننت للسلب والنهب والسبي. ثم أبرّم معاهدات مع يهود المدينة ليضمن عدم مساعدتهم القبائل العربية ضده، ولكنه كان طوال الوقت يفكر في أعذار تسمح له بنقض تلك المعاهدات عندما تكون الظروف في صالحه، حتى يتمكن من وضع يده على أموالهم، كما فعل مع يهود بني قريظة وبني قينقاع
ولأن الرسالة كانت سياسية في المقام الأول، جاءت تشريعاتها الدينية متناقضة ومتخبطة وفيها تكريس للعادات الجاهلية من زواج وطلاق وعِدة وغيرها. وكرست كذلك اضطهاد المرأة والعبيد والإماء، مما يجعلنا متيقنين أن مثل هذه التشريعات لا يمكن أن تصدر من إله في السماء خلق هذا الكون. فتفكير محمد كان منصباً في إقامة دولة المدينة وإيجاد المال اللازم لاستمراريتها
فبداية الإسلام، كما يعلم الجميع، بداية ضبابية جُمع قرآنها بعد موت نبيهم بعشرات السنين، ولغتها الكتابية كانت في طور التكوين مما جعل القرآن المكتوب بها قابلاً للتأويل والتغيير، وكانت روح البداوة هي المسيطرة على أتباع الرسالة الجديدة حتى جاء الخليفة العباسي المأمون وتبنى منظومة المعتزلة وأقام بيت الحكمة لترجمة التراث الهليني من فلسفة وعلم الكلام والعلوم الطبيعية إلى اللغة العربية.
ولكن لسوء حظ أمة الإسلام، التي يفترض أن تكون خير أمةٍ أُخرجت للناس، ظهر عرابون في تلك الأمة قبل وبعد موت المأمون بقليل. وكلمة عرّاب تعني الشخص الذي يعمل العَرْبَات، واحدتها عَرَابة، وهي شمل ضروع الغنم، أي لف شريط رفيع حول حلماتها، لمنع البهم من الرضاع (لسان العرب لابن منظور). كان هدف هؤلاء العرابين هو حرمان الأمة من رضاعة ذلك الثدي الهليني الذي يدر العلم والمعرفة. ولما كانت الأمة الإسلامية في بداية تكوينها ويسيطر عليها الجهل والأمية، فقد وجد هؤلاء العرابون رحماً دافئاً احتضنهم حتى نموا وترعرعوا ومن ثم أحكموا خناقهم حول عنق أمة إقرأ، التي لا تقرأ
أبوالحسن الأشعري (ت 941م) كان أول وأشهر هؤلاء العرابين، إذ أن الرجل كان معتزلياً يؤمن بالعقل والمنطق والفلسفة وعلم الكلام، حتى بلغ الأربعين من عمره، ثم رأى محمداً في حُلمٍ وطلب منه محمد أن يدافع عن أحاديثه وسنته، فانقلب الرجل وأشهر العداء للمعتزلة. وفي دفاعه عن الأحاديث والسنة تخلى الأشعري عن العقل واتخذ موقفاً معاكساً للمعتزلة في كل شيئ لدرجة أنه قال بالتجسيم ودافع عن أن لله أيدي وأرجلاُ وجسماً، وانه يجلس على العرش. ولما وجد صعوبة في شرح كيف يمكن أن يجلس الله على العرش والقرآن يقول (وسع كرسيه السموات والأرض)، قال إنه يجب على المسلم أن يؤمن أن الله يجلس على العرش بدون السؤال عن “كيف” (Karen Armstrong, A History of God, p 195).
وذهب الأشعري إلى أن كل عمل يقوم به الإنسان، أو أي ظاهرة طبيعية نراها لا تصدر من الطبيعة أو الإنسان إنما هي إرادة الله. وذهب الأشعري إلى أن الإنسان لا يستطيع أن يعرف الخير من الشر بدون أن يخبره الله عن طريق الوحي الذي يأتي للأنبياء والرسل. وفي محاولته الإجابة عن سؤال أرسطو: هل الآلهة تحب الأشياء الخيرة لأنها خيرة، أم أن الأشياء أصبحت خيرة لأن الآلهة أحبتها؟ يقول الأشعري إن الله لا يفرض علينا عمل أي شيء لأنه خيّر، وإنما يصبح الشيء خيّراً لأن الله أمر به. وكمثال على ذلك يقول “إن الكذب شر لأن الله حرّمه، ولكن لو حلله الله فسوف يصبح الكذب خيّراً. (Robert Reilly, The Closing of the Muslim Mind, p 70)
ولأن المعتزلة قالوا إن الله خيّرٌ ولا يقدّر إلا الخير لمخلوقاته، رد عليهم الأشعري بالمثال المشهور عن الإخوان الثلاثة: أكبرهم كان شريراً ولما مات أدخله الله النار، والثاني كان خيراً ولما مات أدخله الله الجنة. والثالث مات في طفولته قبل سن التكليف، فأنتهى في البرزخ بين الجنة والنار. وسأل الأشعري: لماذا لم يطل الله عمر الطفل حتى يعمل صالحاً عندما يكبر فيدخل الجنة، لأن الله لا يفعل إلا الخير لمخلوقاته؟ فكان رد الحاضرين أن الله لم يطل عمره لأنه علم أنه لن يفعل خيراً لو كبر. وهنا سأل الأشعري: لماذا أطال الله عمر الأخ الأكبر حتى يرتكب كل المعاصي ويدخله النار؟ لماذا لم يمته وهو صغير عندما علم أنه سيرتكب المعاصي؟ وبهذه الحجة أقنع الأشعري الناس بأن الله ليس ملزماً أن يقدر الخير لمخلوقاته، وأنه يفعل ما يريد لأنه لا يُسأل عما يفعل؟ وللأسف فقد سيطر الفكر الأشعري على الساحة الإسلامية وأقصى الفكر المعتزلي العقلاني.
أما أخطر العرابين وأكثرهم ضرراً للأمة الإسلامية هو بلا شك أبو حامد الغزالي (ت 1111م). ولد الغزالي في خراسان عام 1058م ودرس علم الكلام تحت أستاذه أبو المعالي الجويني الذي كان قطباً من أقطاب الأشعرية. وفي سن ثلاثة وثلاثين أصبح الغزالي معلماً بالمدرسة النظامية ببغداد، وكانت مهمته الدفاع عن المذاهب السنية في وجه المذاهب الشيعية. وقد درس الفلسفة ثم انقلب عليها وهاجم الفلاسفة وقتل الفلسفة في كتابه – تهافت الفلاسفة – ثم أصابته حالة نفسية كادت أن تودي بحياته، نتيجة تفاعلات ما يمليه عليه عقله الفلسفي وما ينطق به من عقله الأشعري. وبسبب هذه الحالة النفسية لم يتمكن من البلع أو الكلام لعدة أسابيع. وأخيراً هداه الله، كما يقول، إلى التصوف فساح في الأرض مع المتصوفين وسكن في دمشق وفلسطين وفارس، قبل أن يرجع إلى بغداد. وأخطر ما ذهب إليه الغزالي أنه نفى السببية، وقال إنه لا توجد علاقة أو سببية بين النار وحريق القطن الذي يوضع على النار لأن الله هو الذي جعل النار تلمس القطن ويغير لون القطن إلى الأسود، ثم يجعله رماداً بواسطة الملائكة أو بدون واسطة. وبإمكان الله أن يفعل غير ذلك ويجعل النار تمس القطن دون أن تحرقه. ثم ما هو الدليل أن النار هي التي تحرق الأشياء؟ الفلاسفة لا يملكون أي دليل على ذلك غير ملاحظة تغيير لون القطن عندما تمسه النار. ولكن الملاحظات تبرهن فقط توأمة الأشياء مع بعضها البعض ولا تثبت السببية. فليس هناك أي سبب غير الله. ويقول كذلك ما معناه: الربط بين ما يعتقد البعض أنه السبب، وبين ما يعتقدون أنه النتيجة، ليس ضرورياً في رأينا. فليس هناك أي علاقة بين إطفاء الظمأ وشرب الماء، أو بين الشعور بالشبع وأكل الطعام، أو بين شروق الشمس وسطوع الضياء، أو بين قطع الرأس والموت. العلاقة الظاهرة بين هذه الأشياء ناتجة عن إرادة الله المسبقة التي خلقت هذه الأشياء ملتصقة ببعضها، ولكن هذا لا يعني أنها لا يمكن فصلها عن بعض، فبإمكان الله أن يخلق في الإنسان الشعور بالشبع دون أن يأكل طعاماً، أو يستمر الإنسان في الحياة بعد أن يُقطع رأسه. (نفس المصدر أعلاه، ص 63). ويستمر الغزالي فيقول إنه ليس من الضروري أن يُخلق الحصان من الحيوان المنوي، ولا الشجرة من الحبة. يمكن أن يُخلق الحصان والشجرة من لا شيء.
لأن العقل يحفّزنا إلى أن نسأل ونكتشف الأشياء غير الملموسة، اعتبره الغزالي عدو الإسلام الأول لأن الإسلام يطلب من المسلم الرضوخ الكامل والامتثال لأوامر الله بدون أي تفكير في الأسباب. وبسبب شهرة الغزالي وتعاليم الأشعرية، وصل الجمود الفكري إلى الأندلس. فنجد مفكراً ظاهرياً مثل أحمد بن حزم يرفض القياس لأنه يعتمد على العقل، ويقول “لا شيء خيّر في ذاته ولكن الله جعله خيراَ، ولا شيء شرٌ في ذاته ولكن الله جعله شراً. فالعمل الذي نعتبره خيّراً قد يصبح شراً إذا أراد الله له ذلك، والعكس صحيح.” ويستمر ابن حزم فيقول “فإذا أخبرنا الله تعالى بأنه سوف يعاقبنا بأفعال غيرنا، أو بسبب طاعتنا له، فإن ذلك يصبح عدلاً من الله وعلينا القبول به.” ويقول الفخري الرازي (ت 1209) من أتباع المدرسة الأشعرية “إنه من المقبول في معتقدنا أن الله تعالى يمكنه أن يُدخل المذنبين إلى الجنة والمحسنين إلى النار، لأن ملكية القرار له وحده ولا يستطيع أحد أن يمنعه.” ويظهر جلياً من
والسبب في أن الغزالي والأشعرية عموماً رفضوا فكرة السببية هو شعورهم أنه لو كانت المسببات تؤدي إلى النتائج المعروفة، يصبح فعل الله ناتجاً عن ضرورة وليس عن إرادة حرة يمكنها تغيير النتيجة في كل مرة يريد الله ذلك. وبسبب هذه الآراء، وبمساعدة أستاذه أبي المعالي الجويني الذي كان علماً من أعلام الأشعرية، وتعاليم الإمام أحمد بن حنبل الذي كان يعتقد أن علم الكلام مضر بالدين لأن الله قد تكلم مع الإنسان عن طريق الوحي وبالتالي ليس الإنسان في حاجة لأن يفكر بطريقة جدية، وأن الوحي حل محل العقل، وأن العلماء لا يعترفون بالقياس ولا بالرأي لأن كلاهما لا قيمة له، تربعت المدرسة الأشعرية على مسرح الأحداث في أمة الإسلام وغاب العقل نهائياً. (نفس المصدر أعلاه، ص 47). وكذلك ساعدته أفكار الإمام الشافي ذي الميول الأشعرية، الذي قال: “حديثٌ ضعيف أفضل من القياس.” بفضل هذه الآراء أصبح الغزالي أشهر من علمٍ في رأسه نارٌ وحاز على لقب “حُجة الإسلام”.
وقد تخلى الغزالي عن عقله تماماً عندما تحدث عن الحج وقال إنّ ما يقوم به الحاج من ركض بين الصفا والمروة، وبقية الطقوس، لا يقبلها العقل ولا يستسيغها، ولكن القيام بها يُثبت عبودية الفرد لله: ” ولذلك وظف عليهم فيها أعمالا لا تأنس بها النفوس ولا تهتدي إلى معانيها العقول كرمي الجمار بالأحجار والتردد بين الصفا والمروة على سبيل التكرار وبمثل هذه الأعمال يظهر كمال الرق والعبودية فإن الزكاة إرفاق ووجهها مفهوم وللعقل إليه ميل والصوم كسر للشهوة التي هي آلة عدو الله وتفرغ للعبادة بالكف عن الشواغل والركوع والسجود في الصلاة تواضع لله عز وجل بأفعال هي هيئة التواضع وللنفوس أنس بتعظيم الله عز وجل فأما ترددات السعي ورمي الجمار وأمثال هذه الأعمال فلا حظ للنفوس ولا أنس فيها ولا اهتداء للعقل إلى معانيها فلا يكون في الإقدام عليها باعث إلا الأمر المجرد وقصد الامتثال للأمر من حيث إنه أمر واجب الإتباع فقط وفيه عزل للعقل عن تصرفه وصرف النفس والطبع عن محل أنسه فإن كل ما أدرك العقل معناه مال الطبع إليه ميلا ما فيكون ذلك الميل معينا للأمر وباعثا معه على الفعل فلا يكاد يظهر به كمال الرق والانقياد.” (إحياء علوم الدين، ربع العبادات، الجزء 7، ص 19)؟ رحم العقل أمة الإسلام التي تقتدي بأمثال الغزالي.
وهناك عرابون آخرون ساعدوا على انتشار الفكر الأشعري والتعتيم على العقل المسلم، من أمثال ابن تيمية، وأبي الأعلى المودودي، ومحمد بن عبد الوهاب، وبعض “علماء” الأزهر السابقين والمعاصرين. فمثلاً نجد الشيخ أحمد بن نجيب المصري، شافعي المذهب، يقول في كتابه – عمدة السالك وعدة الناسك – ما معناه: علوم الماديين تعتمد في المقام الأول على اعتقاد الماديين أن الأشياء في ذاتها تحتوي على مسببات غير الله. الذين يعتقدون ذلك قد خرجوا من ملة الإسلام.
لقد كان صلاح الدين الأيوبي وكبير قضاته، صدر الدين بن عيسى الدرباس، السبب الرئيسي في انتشار المدرسة الأشعرية في مصر. فقد حفظ صلاح الدين الأيوبي عن ظهر قلب ما كتبه قطب الدين أبوالمعالي مسعود النيسابوري، من أقطاب المدرسة الأشعرية، وحفّظه صلاح الدين لأبنائه وبقية أفراد الأسرة الأيوبية (The Closing of the Muslim Mind, p 9). انتشار المذهب الأشعري أدى إلى إغلاق العقل المسلم ومنع الاجتهاد منذ القرن الثاني عشر الميلادي، وكنتيجة لهذا الموقف نجد أن البلاد الإسلامية سيطر على مناهج تعليمها “علماء” الأمة الذين خرّبوا التعليم وخرّجوا لنا علماء شريعة لا يقدمون للمجتمع أي خدمات. ويُظهر تقرير انتجته جامعة ماليزيا الإسلامية أن البلاد الإسلامية بها في المتوسط 8.5 مهندسين وفنيين في كل 1000 مواطن، بينما بقية دول العالم بها في المتوسط 40.7. وإذا نظرنا إلى المنشورات العلمية في تلك البلاد نجد أن كوريا الجنوبية تنتج 144 دراسة علمية في كل مليون من سكانها، بينما تنتج البلاد العربية 26 دراسة فقط عن كل مليون شخص (نفس المصدر أعلاه، ص 162). أما عن حقوق الإنسان والديمقراطية التي يعتبرها أغلب “علماء” الأمة كفراً، فحدث ولا حرج. وقد انشغل “علماء الأمة بتوافه الأمور مثل حساب درجة حرارة نار جهنم، أو تحديد المواد الكيمائية في أجسام الشياطين.
فهل هناك أي أمل في إصلاح هذا الدين السياسي الذي دمر حياة الملايين من البشر فعلياً عن طريق الذبح والتفجيرات، أو عن طريق إلغاء عقولهم؟ هناك من بعتقد ذلك ولكني أقول بغير ذلك

لا يخامرني أدنى شك أن الإسلام منظومة سياسية تقمصت لبوس الدين، والدين منها براء. الأديان يمكن إصلاحها كما حدث مع المسيحية واليهودية دون التعرض للنص المقدس لأتباع تلك الديانات. الإصلاح يكون عن طريق تغيير الخطاب الديني الذي ينطق به رجالات الدين أو بغض الطرف عن بعض الآيات التي تحدث إشكالاً مع متطلبات العصر. فهاهي المسيحية اضطرت للخضوع لمجاراة العصر وسمحت بتعميد النساء والقساوسة المثليين بعد أن نفضت يدها عن السياسة مجبرةً. أما اليهودية فقد حاول حاخاماتها الاحتفاظ بنصوصها كما هي وتطبيقها على أرض الواقع. ورغم أن بعض الحاخامات المتشددين في إسرائيل ما زالوا يطبقون نفس النصوص الجامدة التي تحدد ما يمكن أن يفعله اليهودي يوم السبت، وما يجب أن يتحقق منه الرجل أو المرأة قبل الزواج، فإن غالبية الشعب الإسرائيلي قد اضطرهم المجتمع الحديث للعمل يوم السبت والزواج من الزميلة الموظفة ذات الدخل الكبير حتى وإن لم تكن يهودية. و في الولايات المتحدة وأوربا قد تخلى اليهود وحاخاماتهم عن أشياء كثيرة وقبلوا بتعميد النساء وبزواج اليهودي بغير اليهودية وتخلوا تماماً عن الخوض في السياسة. فانتشار التعليم والضغوط الاقتصادية والمجتمعية حملت الأديان على التأقلم أو الانقراض.
ولكن للأسف نفس الضغوط لا تؤثر على الأيدولوجيات السياسية لتتأقلم معها. المنظومات السياسية مثل الفاشية الموسولينية ومثل النازية الهتلرية لم يكن من الممكن أصلاحهما لأنهما بُنيا على استعلاء جنس معيّن من البشر على بقية الأجناس، وسعيا للسيطرة على بقية الأجناس ليس بالعلم أو المقدرة الفكرية، وإنما بوراثة جينات جنس معيّن من البشر كالجنس الآري مثلاً. وما زال شباب النازية الجديدة في أوربا يلبسون نفس القمصان الهتلرية أو الموسولينية ويؤدون نفس التحية العسكرية ويستعلون على المهاجرين ويقتلونهم إذا تمكنوا منهم لأنهم لا يستحقون الحياة في نظرهم. مثل هذه الأديدولوجيات السياسية يكون إصلاحها في الخلاص منها نهائياً لأن تعاليم الأيدولوجية لا تسمح بالتأقلم مع الزمن
وفي اعتقادي نفس الشيء ينطبق على المنظومة الشيوعية التي بُنيت على سيطرة الطبقة العاملة على مفاصل الانتاج، أي على ديكتاتورية البروليتاريا. فلا يمكننا أن نتخيل منظومة شيوعية تتأقلم مع سيطرة الإقطاع الصناعي أو الزراعي على مفاصل الدولة وتسخير الطبقة العاملة كعملية إصلاح للأيدولوجية الشيوعية. فالمنظومة الشيوعية أمامها خيران لا ثالث لهما: إما أن تُطبق عملياً وتبلغ شأوها، وإما أن تنهار نهائياً، فالاشتراكية ليست هي الشيوعية. وأرجو أن يصوبني صديقي فؤاد النمري إن كنتُ مخطئاً في طرحي هذا.
نأتي الآن إلى الإسلام، وهناك الكثيرون الذين يعتقدون أنه بالإمكان إصلاحه. وقد شاركت في ندوة في روما عن إصلاح الإسلام قبل عدة أشهر مع الصديق الدكتور عبدالخالق حسين وبعض الكتاب العرب وبعض المستشرقين. وكان مركز “المصلح” http://www.almuslih.org قد دعا لهذه الندوة. كل المشاركين الذين قدموا أوراقاً في هذه الندوة قالوا بإمكانية إصلاح الإسلام، وكنتُ أنا الصوت النشاز الوحيد لإيماني المطلق أن الإسلام أيدولوجية سياسية إما أن تُطبق بكاملها أو تنقرض.
استحالة إصلاح الإسلام ترجع إلى عدة عوامل سوف أركز على بعضها وأذكر الأخريات بدون نقاش. العامل الأول هو نظرية المسلمين الدونية لغير المسلم. فهم يتبعون قدوتهم الأولى محمد الذي لا يرى بأساً في قتل عصماء بنت مروان التي كانت ترضع وليدها على صدرها، ويقول: لا ينتطح فيها عنزان لأنها لم تسلم وبالتالي هي أقل شأناً من أن تنتطح فيها عنزان ناهيك عن رجال مسلمين هم فوقها درجات . وهم كذلك يتبعون قدوتهم الحديثة هتلر لأنه اضطهد اليهود وقتلهم، فبعثوا إليه مفتي القدس الشيخ الحسيني للتهنئة. وما دام المسلم أعلى مرتبةً من غير المسلم، فلن يتنازل المسلم طواعية عن هذا الموضع ويقبل بإصلاح الإسلام فيصبح مساوياً للكافر
السبب الثاني هو جهل “علماء” الإسلام بالعلوم الطبيعية والعلوم السياسية والاجتماعية. كل ما يعرفونه هو القرآن والسنة والفقه والسيرة. هؤلاء الجهلاء هم المتحكمون في رقاب الأمة، وهم المسؤولون عن مناهج التعليم وبالتالي يزرعون نفس البذرة في أجيال المستقبل. وهذا الوضع المريح قد جعلهم نجوم فضائيات عديدة يحصدون منها ملايين الريالات ويبنون القصور الشامخة. فهل يمكن أن يقبلوا طواعيةً بإصلاح الإسلام وتنوير العامة؟
كلما شذ عالم دين أو فلسفة عن إجماع جهلاء الإسلام كان الجلد والسجن وحرق كتبه عقاباً جاهزاً متفق عليه. فمثلاً الفيلسوف العربي المسلم أبو يعقوب الكندي (ت 873م) عندما قال إن النبوة تعلو على الفلسفة في بعض الأشياء ولكن محتوى الاثنين لا يختلف كثيراً، تواطأ عليه رجالات الدين فطرده الخليفة المتوكل من بغداد وصادر مكتبته العامرة (The Closing of the Muslim Mind, p 41). فهل يجرؤ رجل دين آخر على نقد الإسلام والمطالبة بإصلاحه؟
تأصيل الخرافة الإسلامية حتى في عقول المتعلمين منا. فمثلاً نجد ابن خلدون، الذي كان من اتباع المدرسة الأشعرية، يقول عن دراسة الفيزياء في كتابه – المقدمة –”يجب أن نمتنع عن دراسة هذه الأشياء لأن مثل هذا الامتناع من صميم واجبات المسلم التي تحتم عليه عدم الخوض فيما لا يعنيه. مسائل الفيزياء لا تهمنا في أمور ديننا أو دنيانا، وعليه يجب أن نتركها جانباً.” (نفس المصدر أعلاه، ص 43).
قفل باب الاجتهاد، وقد ظل مقفلاً منذ القرن الثاني عشر، وليس هناك من رجل دين معاصر أو هيئة دينية تستطيع فتحه. يظهر هذا جلياً عندما حاول الشيخ محمد على السنوسي (ت 1859م)، والذي كان معروفاً بالسنوسي الأكبر، فتح باب الاجتهاد فرد عليه مفتي مصر بفتوى تقول “لا ينكر أحد أن فضل الاجتهاد قد اختفى منذ أمد طويل، وليس في زماننا الحاضر أي رجل وصل في العلم إلى درجة فتح باب الاجتهاد.” وعليه سوف يظل باب الاجتهاد مغلقاً إلى الأبد لأن فقهاء السلف لم يتركوا مسألة في الدين إلا وقتلوها بحثاً، وليس هناك ما يمكن إضافته لما قالوه. ورغم أن باب الاجتهاد ظل مفتوحاً في المذهب الشيعي، فإن “علماء” الشيعة لم يأتوا بأي اجتهاد في العصور الحديثة. وهكذا كُتب علينا الجهل وترديد مقولة محمد “كل جديد بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار؟”
جهل “العلماء” وإيمانهم بنفي السببية لأن الله هو السبب في كل شيء. وقد حمل هذا الموقف “علماء” باكستان بالمطالبة بأسلمة كتب الفيزياء والكيمياء، فنجدهم مثلاً يقولون “عندما يؤلف المختصون كتاباً للفصل الثالث الإعدادي، يجب ألا يسأل المعلم: ماذا سوف يحدث إذا لم يتناول الحيوان طعاماً؟ بل يجب أن يكون السؤال: ماذا سوف يحدث إذا لم يرزق الله الحيوان بأي طعام؟” وبالنسبة للفيزياء، يقول الشيوخ “العلماء” “إن جملة (الطاقة تسبب التغيير) جملة ملغومة لأنها توحي للطفل أن الطاقة هي سبب التغيير بينما الله هو السبب.” وهنيئاً لأمتنا بمثل هؤلاء العلماء. هل يمكن أن نُصلح الإسلام وأطفالنا يحشي الجهلاء عقولهم بتعاليم المدرسة الأشعرية؟
وإنكار السببية هذا قد قادنا، وسوف يظل يقودنا إلى متاهات عويصة. فمثلاً العالم كله يعرف أنه إذا تجمع السحاب في مكانٍ ما وابرق ذلك السحاب فهطول المطر يصبح احتمالاً كبيراً. ولكن “علماء” المسلمين يقولون التنبؤ بسقوط الأمطار يقع خارج ما يمكن للمسلم شرعاً معرفته وربما يدخل في علم ما فوق الطبيعة. وكنتيجة حتمية لمثل هذه الفتاوى نجد أن نشرات الأحوال الجوية اختفت من الصحف والراديو والتلفزيون الباكستاني بين العام 1983 و العام 1984 في أيام حكم الجنرال ضياء الدين أو “ضياع الدين” كما سماه بعضهم. وبدل أن نستفيد من العلم الحديث في رصد تحركات السحب ودرجة الحرارة حتى يمكننا التنبؤ بأماكن هطول الأمطار، يطلب منا جهلاء الأمة وساستها أن نصلي صلاة الاستسقاء التي ظل المسلمون يقومون بها منذ ظهور الإسلام وحتى يومنا هذا وما زالت مكة صحراء جرداء لا تعرف المطر.
غياب سلطة دينية مركزية تكون كلمتها ملزمة لجميع المسلمين، كما يحدث في الكنيسة الكاثوليكية. فنحن نجد أن المسلمين قد انقسموا إلى 73 فرقة كما قال رسولهم. فتوى الأزهر ليست ملزمة للشيعة بكل فروعها من فاطميين واثني عشرية وعلويين وغيرهم، وغير ملزمة للإسماعيليين أو الدروز أو حتى الصوفية. و”علماء الأزهر أنفسهم لا يتفقون على رأي واحد في أي مسألة تُعرض عليهم، كما رأينا في فتوى رضاع الكبير. فكيف لنا أن نحمل “علماء” الأزهر على الاتفاق لإصلاح الإسلام وهم يرتعدون خوفاً من تنقيح كتاب البخاري الذي يقول فيه إن الله يمني وينزل المني من عرشه؟ هل يجرؤ مثل هؤلاء “العلماء” على تعليق العمل بآيات القتل والذبح وقطع الأيدي والأرجل؟
خوف أي رجل دين أو مفكر من التصريح بأي رأي قد يكون مخالفاً لإجماع بقية رجال الدين، ولو أنهم نادراً ما يجمعون على شيء. يظهر هذا جلياً في حالة الشيخ الشيعي أحمد القبانجي الذي أجهر برأيه في القرآن فتبرأ منه أخوه الأكبر وبقية عائلته واعتقلته إيران لفترةٍ من الزمن. ناهيك عن الاغتيالات التي طالت المفكرين من أمثال فرج فودة وحسين مروة وغيرهم الكثير. فالخوف من الإرهاب يمنع المتنورين من الكُتاب والفلاسفة من طرح آرائهم في العلن حتى تساعد في تغيير تلك العقول المتحجرة. ففي الهند حاول السيد أحمد خان (1817-1898) فعل ذلك وقال إن القرآن يجب أن يُعاد تفسيره ليتماشى مع العصر الحديث. فقامت عليه قيامة “العلماء” الجهلاء وقاطعوا الجامعة التي كان يُدرّس بها وأخيراً أصبحوا هم الذين يعلمون في الجامعة. وعندما حاول تلميذه سيد أمير علي (1849-1924) نفس الشيء وقال إن أبا الحسن الأشعري، وابن حنبل والغزالي وابن تيمية هم سبب تأخر المسلمين، أصدر متولي الكعبة فتوى بكفره وأباح دمه (نفس المصدر أعلاه، ص 170)
الجهل والأمية المتفشية في ربوع العالم الإسلامي من إندونيسيا إلى موريتانيا ومن باكستان إلى السودان، تمثل العائق الأكبر لإصلاح الإسلام لأن الإصلاح يحتاج قاعدة عريضة تقف وراء من يدعون للإصلاح. فمثلاً في الولايات الأمريكية الجنوبية في القرن الثامن عشر عندما كان الجهل متفشياً في البيض والسود معاً، ظهرت فجأة حركة الصحوة الدينية المسيحية Born Again Christians وقاد هذه الحركة خريج من جامعة ييل Yale الشهيرة اسمه جوناثان إدواردس Jonathan Edwards (1703-1758). كان خطيباً موفهاً واستطاع أن يقنع الجهلاء أن الله غاضبٌ عليهم لعدم ممارستهم طقوس دينهم. وفي فترة وجيزة انتشرت الصحوة لكل أنحاء الولايات المتحدة ووصل الناس إلى مرحلة الهستيريا الجماعية فكانوا يبكون في الكنائس بصوت عالٍ ثم بعد دقائق يضحكون ويرددون الأناشيد عندما يخبرهم القسيس أن الرب قد سامحهم (Karen Armstrong, A History of God, p 371). نفس هذا الجهل والهستيريا الجماعية موجودة عندنا في كل أنحاء العالم الإسلامي خاصةً العراق وإيران عندما يضربون أنفسهم بالسلاسل طواعية وينتحبون من أجل شخص قُتل قبل 1400 عام.. وفي مصر والسودان واليمن وغيرها يتكدس آلاف المسلمين في ضرائح الموتى يتبركون بها ويطلبون منها الشفاء من الأمراض ومن العقم. فما هو الدافع لرجالات الدين في مثل هذه الأجواء إلى محاولة إصلاح الإسلام الذي سخّر لهم جمع أموال الخُمس لمليء كروشهم، أو سخر لهم ملايين المشاهدين لقنواتهم الفضائية التي تجلب لهم الملايين؟ لا يمكن أن يأتي الإصلاح من شيوخ الإسلام. فمن الذي يمكن أن يُصلح لنا الإسلام؟ هل يصلحه المتعلمون من غير الشيوخ من أمثال أستاذ القانون في جامعة الكويت، راشد العنزي، الذي يشرف على لجنة المناهج المدرسية، وقال يجب إلغاء المادة 18 من قوانين حقوق الإنسان من الكتب المدرسية لأنها تقول بحرية الاعتقاد، وهذا يخالف شرعنا الإسلامي؟ إذا كان هذا رأي أستاذ القانون فما هو رأي الشيوخ؟
شيوخ الإسلام يستميتون في الدفاع عن الموروث الإسلامي ولا يتورعون عن مناجزة التنويريين الذين يحاولون بعض الإصلاحات الطفيفة، فمثلاً في السودان قال السيد حسن عبد الله الترابي إن الملائكة لم تقاتل مع المؤمنين، ولو قاتلت فكان قتالاً معنوياً، وإن عائشة كان عمرها ثمان عشرة عاماً لما تزوجها محمد، فانبرى له شيخ اسمه الكاروري يؤم مئات المصلين يوم الجمعة وله أتباع بالآلاف، فقال ” أما نفيه لفعل القتل مادياً فهذا غير مقبول”.. وأكد أن القتل فعلياً قد حدث في معركة بدر الكبرى، وأن هناك من مات هلعاً من المشركين ممن كانوا يراقبون معركة بدر حينما سمعوا أصوات الملائكة في المعركة. وأشار إلى أنه ورد أن من شاركوا في معركة بدر الكبرى قالوا إن (الضرب) وطريقته في جثث المشركين لم يكن بالضرب المعروف والمألوف. (متوكل أبوسن، صحيفة الراكولة السودانية، 5/5/2013). يؤكد الشيخ الكاروري أن الملائكة قتلوا المشركين وينسى أن ربهم عندما قال للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة، قالوا له “أتجعل فيها من يسفك الدماء”؟ وهاهم يسفكون الدماء. من مصلحة الشيوخ زيادة جرعة التخدير.
في اعتقادي أن الحقوق لا تُمنح بل تُؤخذ عنوةً، أو كما قال جمال عبد الناصر “ما أُخذ بالقوة لا يُسترد إلا بالقوة”. حرياتنا أُخذت منا ومن أسلافنا بالقوة وبالسيف والسبي. ونحن ضربونا عندما كنا أطفالاً لنحفظ خزعبلات الإسلام، وعليه يبقى الطريق الوحيد لتحديث الإسلام أو إلغائه هو القوة التي استعملها الحبيب بورقيبة لتحديث بعض أجزاء الإسلام، أو القوة التي استعملها كمال أتاتورك ليُرجع الإسلام إلى المساجد. وقد تقدمت كلا الدولتين في فترات وجيزة إلى أن استجاب الجهل إلى أصوات الشيوخ مرة أخرى ورجع الإسلام تدريجياً إلى تركيا مع حزب العدالة، وإلى تونس مع ثورة الربيع العربي. وإن قلبي ليتفطر على مصر أم الدنيا وعلى تونس الخضراء وعلى ليبيا والسودان. ولكن الجهل يصنع المعجزات
وفي الخلاصة أقول إنه لا يمكن إصلاح الإسلام بتاتاً ومكانه الطبيعي هو المتحف البريطاني مع هياكل الديناصورات.

نبوة محمد في ميزان عبد المسيح الكندي

كان هذا الرجل يتيماً في حِجْر عمه عبد مناف المعروف بأبي طالب الذي كفله عند موت أبيه وكان يعوله ويدافع عنه، وكان يعبد أصنام اللات والعُزّى مع عمومته وأهل بيته بمكة على ما حكى هو في كتابه وأقرَّه على نفسه حيث قال: أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَى وَوَجَدَكَ ضَالّاً فَهَدَى وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى (سورة الضحى 93:6-8). ثم نشأ في ذلك الأمر حتى صار في خدمة عِيرٍ لخديجة بنت خويلد، يعمل فيها بأجرة ويتردد بها إلى الشام وغيرها، إلى أن كان ما كان من أمره وأمر خديجة وتزوُّجه إياها للسبب الذي تعرفه. فلما قوَّته بمالها نازعته نفسه إلى أن يدَّعي المُلك والترؤس على عشيرته وأهل بلده، فلم يتبعه عليه إلا قليل من الناس. فعندما يئس مما سوَّلت له نفسه ادَّعى النبوَّة وأنه رسولٌ مبعوثٌ من رب العالمين، فدخل عليهم من بابٍ لطيف لا يعرفون عاقبته ما هي، ولا يفهمون كيف امتحان مثله ولا ما يعود عليهم من ضرر منه، وإنما هم قوم عرب أصحاب بدوٍ لم يفهموا شروط الرسالة ولم يعرفوا علامات النبوة، لأنه لم يُبعَث فيهم نبي قط. وكان ذلك من تعليم الرجل الملقِّن له الذي سنذكر اسمه وقصته في غير هذا الموضع من كتابنا، وكيف كان سببه. ثم إنه استصحب قوماً أصحاب غاراتٍ ممن يصيب الطريق على سُنَّة البلد وعادة أهله الجارية عندهم إلى هذه الغاية، فانضمَّ إليه هذا النوع، وأقبل يبثث الطلائع ويدسس العيون ويبعث إلى المواضع التي ترِد القوافل إليها من الشام بالتجارات فيصيبونها قبل وصولها، فيُغِيرون عليها ويأخذون العِير والتجارات ويقتلون الرجال. والدليل على ذلك أنه خرج في بعض أيامه فرأى جِمالاً مقبلةً من المدينة إلى مكة، لأبي جهل بن هشام، ويُسمِّي أعراب البادية ذلك غزواً إذا خرجت للغارة على السابلة وإصابة الطريق. وكان أول خروجه من مكة إلى المدينة بهذا السبب، وهو حينئذ ابن 53 سنة بعد أن ادّعى ما ادّعاه من النبوة بمكة 13 سنة، ومعه من أصحابه 40 رجلاً، وقد لقي كل أذى من أهل مكة لأنهم كانوا به عارفين، فأظهروا أن طرده لادّعائه النبوة وعقد باطنهم لما صح عندهم من إصابته الطريق. فسار مع أصحابه إلى المدينة وهي يومئذ خراب يباب ليس فيها إلا قوم ضعفاء أكثرهم يهودٌ لا حِراك بهم، فكان أول ما افتتح به أمره فيها من العدل وإظهار نصفة النبوة وعلامتها أنه أخذ المربد الذي للغلامين اليتيمين من بني النجار وجعله مسجداً. ثم أنه بعث أول بعثة حمزة بن عبد المطلب في 30 راكباً إلى العيص من بلد جهينة يعترض عِير قريش وقد جاءت من الشام، فلقي أبا جهل بن هشام في 300 رجل من أهل مكة، فافترقوا لأن حمزة كان في 30 ، فخاف لقاء أبي جهل وفزع منه، فلم يكن بينهم قتال.

فأين شروط النبوة في هذا الموضع من قول الله في التوراة المنزلة من عنده لموسى حيث وعده أن يُدخل بني إسرائيل الذين أخرجهم من مصر إلى أرض الجبابرة المسمّاة أرض الميعاد وهي أرض فلسطين: أن الواحد يهزم ألفاً، والاثنين يهزمان ربوة؟ وكذلك كان فعله على يدي يشوع بن نون المتولّي إدخال بني إسرائيل أرض الميعاد ومحاربة أهل فلسطين. فهذا حدُّ ما يُطالَب به صاحبُك في هذا الموضع من علامات النبوّة والرسالة.

فلنرجع الآن إذ ليس عندك في هذا جواب. فنقول إما أن يكون حمزة هذا رسول نبيٍ مبعوث، وهو عمه وعن أمره خرج ومعه ثلاثون راكباً، وهو على حقٍ عند نفسه عندما خاف من أبي جهل الكافر المشرك ومعه ثلثمائة رجل كفار مشركين عباد أوثان، ولم يحاربه بل سالمه. أو يكون هذا خلاف ما تدّعيه أنت أنه نبيّ مرسَل وأن الملائكة تؤيده وتقاتل دونه كما كانت تقاتل مع يشوع بن نون، فإنه رأى ملاكاً في زيّ فارس، فلم يعرفه يشوع فسأله: أمِن أصحابنا أنت أم من أعدائنا؟ فقال له الملاك: أنا رئيس جيوش الرب، والآن أقبلتُ. فخرَّ يشوع بوجهه على الأرض ساجداً وقال: بماذا يأمر السيدُ عبدَه؟ فقال رئيس جيوش الرب: اخْلَعْ نَعْلَكَ مِنْ رِجْلِكَ، لِأَنَّ الْمَكَانَ الَّذِي أَنْتَ وَاقِفٌ عَلَيْهِ هُوَ مُقَدَّسٌ . فَفَعَلَ يَشُوعُ كَذ لِكَ (يشوع 5:13-15). وفي هذا القول من الملاك ليشوع سرٌّ ليس هذا موضعه، وكان يشوع وقتها يحاصر أريحا. فلما أتى على ذلك سبعة أيام فتحها على غير عقد ولا عهد، فقتل كل من كان فيها من ذكر وأنثى.

ولنذكر أيضاً غزوة صاحبك الثانية لعله يكون لك فيها أدنى جواب. وفيها بعث عُبيدة بن الحارث بن المطلب في ستين راكباً ليكون ضعف العدة الأولى، فيقوّي قلوبهم إلى بطن رابغ بين الأبواء والجحفة، فلقي أبا سفيان بن حرب، وأبو سفيان في 200 راكب، فكان بينهم من الدماء ما قد علمت، ثم رُدعوا فما رأيت أحداً من الملائكة أعانهم على أمرهم بشيء، وقد شهدت أنت أن جبرائيل كان في صورة رجل راكب رمكة شهباء عليه ثياب خضر، وقد ركب فرعون بجنوده على 400 ألف حصان في طلب بني إسرائيل. فلما توسط بنو إسرائيل البحر قحم جبرائيل في أثرهم قائلاً: قدم خير . فتبعته الخيل التي كان عليها فرعون وأصحابه، فنجا بنو إسرائيل وغرق فرعون وأصحابه! هذه شهادتك وإقرارك ببعض علامات موسى النبي التي أتى بني إسرائيل، وصاحبك خلو من هذا كله!

ولا بدّ لنا أن نأتيك بالثالثة لما بعث سعد بن أبي وقاص إلى الخرار خارج الجحفة في عشرين رجلاً، فورد الموضع وقد سبقته العِير قبل ذلك بيوم، ففاته أمله ورجع خائباً من رجائه! فهذه خلاف آيات النبوة وعكس ما فعله نبي الله صموئيل بشاول. ولا أشك في أنك تعرف القصة، فقد قلت إنك عارف بالكتب المنزلة دارس لها حق دراستها. وذلك أن قيساً أبا شاول ضاعت له أتن، فوجَّه ابنه شاول في طلبها، فذهب شاول إلى صموئيل النبي يسأله، فقال له صموئيل قبل أن يخبره شاول خبر ما جاء لأجله: أما الأتُن فرجعت إلى بيت أبيك، وأما أبوك فقد شغله الاهتمام بغيبتك عن الأتن . فهكذا تكون شروط النبوة التي هي علم الغيب الماضي وعلم الغيب المستقبل، فتخبر الأنبياء عنه وتذكره قبل وقوعه وتعلم حدوثه قبل مجيئه، بما يُظهر لهم الروح القدس معطي علم الغيب الذي هو نهاية الدلالات على النبوات. وقد قال المسيح الرب في إنجيله المقدس ما معناه إن الشهادة العادلة الصادقة هي الكائنة من قِبَل رجلَيْن عَدْلين صادقيْن أو ثلاثة عدُول، فتلك واجب قبولها. وقد أنبأناك في فصل كتابنا هذا بثلاث شهادات عدل، لك فيهم مُقنع.

فلننظر الآن بعد الغزوات الثلاث التي خرج فيها هؤلاء النفر ومن خرج معهم بأمر صاحبك فانصرفوا. وخرج هو بنفسه مع أصحابه يريد عِيراً لقريش، فانتهى إلى ودان، فوافاه مَجْشيّ بن عمر الضمري فلم يَنَلْ منه شيئاً ورجع صفراً. ثم خرج ثانية إلى بواط، وهيفي طريق الشام في طلب عيرٍ لقريش فيها أمية بن خلف الجمحي، ورجع ولم يصنع شيئاً. ثم خرج ثالثة إلى أن وصل إلى يَنْبُع في طلب عيرٍ لقريش أيضاً يريد الشام، وهي العير التي كان القتال ببدْرٍ بسببها في رجعتها، فرجع صفراً ولم يصنع شيئاً. فأنْصِف (وأنت أهلٌ لذلك) إن كان صاحبك نبياً كما تدّعي! فما للأنبياء وشنّ الغارات والخروج لإصابة الطرق والتعرُّض لأخذ أمتعة الناس! وما الذي ترك صاحبك هذا للصوص وقطاع الطريق؟ وما الفرق بينه وبين أتابك الخزمي الذي تناهى إلى سيدنا أمير المؤمنين وإلينا خبره بما عمل وارتكب من ظلم الناس؟ فأجِبْنا إنْ يكن عندك في هذا جواب واضح. وإني أعلم أنه لا جواب عندك ولا عند غيرك ممن اعتقد مثل اعتقادك.

ثم لم يزل كذلك إلى أن وجد القوم الذين خرج في طلبهم في ضعف، فاسْتاق عِيرهم، وأخذ تجارتهم، وقتل من أمكنه قتله من رجالهم، وإن وافاهم وهم في منعة وقوة انحاز عنهم وولى هارباً إلى أن مات. فكانت مغازيه بنفسه 26 غزوة، غير السرايا التي كانت تخرج في الليل، والسواري الخارجة نهاراً، والبعوث قاتل منها في تسع غزوات، والباقية كان يبعث فيها أصحابه.

ثم أعجب من هذا في قُبْح الأحدوثة، والشناعة في الفعل والفظاظة، توجيهه إلى واحدٍ واحداً يقتله بالغِيلة، كتوجيهه عبد الله بن رُواحة لقتل أسير بن دارم اليهودي بخيبر فقتله غيلةً، وكبعثه سالم بن عمير العمري وحده إلى أبي عفك اليهودي وهو شيخ كبير ما به حراك، فقتله بالغيلة ليلاً وهو نائم على فراشه آمناً مطمئناً، واحتجَّ بأنه كان يهجوه. ففي أيّ كتابٍ قرأت هذا، وأي وحيٍ نزل عليه به، ومِن أي حُكم حَكم على مَن هجاه أن يُقتل؟ فقد كان في تأديب هذا الشيخ على ذنبه شيء دون القتل وخاصة ليلاً وهو نائم مطمئن آمن على فراشه. فإن كان هجاه بما كان فيه، فقد صَدَق ولا يجب على من صدق قَتْل. وإن كان كذب عليه في قوله، فلا يجب على من كذب القتل، بل يُؤدَّب لئلا يعود. فأين قولك إنه بُعث بالرحمة والرأفة للناس كافةً؟

وأما بَعْثه لعبد الله بن جحش الأسدي إلى نخلة (وهو بستان ابن عامر) في 12 رجلاً من أصحابه ليأتيه بأخبار قريش، فلقوا بها عمرو بن الحضرمي في عير قريش وتجارة قد أقبل بها من اليمن، فقتلوا عمراً واستاقوا العير إلى المدينة. ولما وردوا أخرج عبد الله بن جحش مما أغار عليه هو وأصحابه الخُمس فدفعه لمحمد. فهذا لا أقول إنه حلال أو حرام، حتى يحكم فيه العادل!

وكذلك ما فعل في يهود قينقاع حيث صار إليهم بغير ذنب ولا علة إلا الرغبة في أموالهم، فحاصرهم حتى نزلوا على حكمه واستوهبهم منه عبد الله بن أبيّ بن سلول فوهبهم له، وأخرجهم إلى أذرعات بعد أن أخذ أموالهم فقسمها بين أصحابه، وأخذ هو الخُمس قائلاً: هذا ما أفاء الله على نبيّه . فكيف طاب له هذا، وبماذا استحل أن يأخذ أموال قومٍ لم يؤذوه ولم يكن بينه وبينهم غل، وإنما استضعفهم وكانوا كثيري الأموال! فما هكذا تفعل الأنبياء ولا من يؤمن بالله واليوم الآخر.

فأما غزوة أحُد وما أُصيب فيها من كسر رباعيته السفلى اليمنى وشقّ شفته وثلم وجنته وجبهته، الذي ناله من عتبة بن أبي وقاص، وما علاه به ابن قميئة الليثي بالسيف على شقه الأيمن حتى وقاه طلحة بن عبيد الله التيمي بيده فقطعت أصبعه، فهذا خلاف الفعل الذي فعله الرب مخلص العالم، وقد سلَّ بطرس بحضرته على رجل سيفاً فضربه على أذنه فاقتلعها. فَرَدَّ المسيح مخلصنا الأذن إلى موضعها فعادت صحيحة كالأخرى. وإلا حيث أصاب يد طلحة ما أصابها (وقد وقاه بنفسه) فلماذا لم يَدْعُ محمد ربَّه ليرد يد طلحة إلى ما كانت عليه؟ وأين كانت الملائكة عن معونته ووقايته من كسر ثنيته وشق شفته ودمي وجهه (وهو نبي من الأنبياء وصفيٌّ من الأصفياء ورسول الله) كما كانت الأنبياء تقي من قبله، كتوقية إيليا النبي من أصحاب أخآب الملك، ودانيال من أُسد داريوس، وحنانيا وإخوته من نار بختنصر، وغيرهم من الأنبياء وأولياء الله؟ سيما ولم يخلق الله آدم إلا لأجل محمد وقد كتب اسمه على سرادق العرش كما تقولون! وأفعال صاحبك هذا خلاف قولك إنه بُعث بالرحمة والرأفة إلى الناس كافةً، لأنه كان الرجل الذي لم يكن له فكر واهتمام إلا في امرأة حسنة يتزوجها، أو قوم يُغير عليهم يسفك دماءهم ويأخذ أموالهم وينكح نساءهم، ويشهد على نفسه أنه حُبِّب إليه الطيب والنساء، وأنه من علامات نبوته أنه جعل في ظهره من القوة على النكاح مقدار قوة أربعين رجلاً. فهل هذا بعض آيات الأنبياء التي لا تكون إلا في مثله؟

فأما ما كان بينه وبين زينب بنت جحش امرأة زيد فإني أكره ذكر شيء منها إجلالاً لقدر كتابي هذا عن ذكرها، غير أني آتي بشيء مما حكاه في كتابه الذي يقول إنه نزل عليه من السماء إذ يقول: وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ واتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ واللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَّوَجْنَاكَهَا لِكَيْ لاَ يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً وَكَانَ أَمْرُ اللَّهُ مَفْعُولاً مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَقْدُوراً (سورة الأحزاب 33:37 ، 38),

وكذلك هنّاته مع عائشة وما كان من أمرها مع صفوان بن المعطل السلمي، في رجوعهم من غزوة المصطلق، بتخلُّفها عن العسكر معه وقدومه بها من الغد نحو الظهيرة راكبة على راحلته يقودها، وما قذفها به عبد الله بين أبيّ بن سلول وحسان بن ثابت ومسْطَح بن أثاثة ابن خالة أبي بكر وزيد بن رفاعة وحمنة بنت جحش أخت زينب، وتبليغ علي بن أبي طالب إليه كلام المتكلمين وعيب العائبين، قائلاً: يا رسول الله، لم يضيق الله عليك، والنساء سواها كثيرة . فلم يلتفت صاحبك إلى ذلك كله لشدة إعجابه بها، لأنه لم يكن في مَن نكح مِن نسائه بِكْرٌ غيرها ولا أحدث سناً منها، فكان لها من قلبه مكان. فرضي بما كان من ذلك الأمر كله، وهذا كان سبب انعقاد تلك العداوة بين عائشة وبين علي إلى آخر حياتهما. ثم قال صاحبك بنزول براءتها في سورة النور من قوله: إن الذين جاءوا بالإفك عُصْبة منكم الخ .

وكانت نساؤه فيما يظهر خمس عشرة حرة، وأَمَتيْن. أولهن خديجة بنت خويلد، ثم عائشة بنت أبي بكر وهو عبد الله المعروف بعتيق بن أبي قحافة. وسودة بنت زمعة. وحفصة بنت عمر، وهي التي كان بينها وبين عائشة تلك الهنّات العجيبة. وأم سلَمة واسمها هند بنت أبي أمية، وهي المخدوعة أم الأطفال، التي زعم أنه يُذهب عنها الغيرة عندما امتنعت عليه واحتجَّت بأنها امرأة غَيْرَى، وأنه يعول صبيَّتها لما اعتذرت أنها ذات صبية، وأنها تخاف ألا يرضاه أهلها فضمن لها أن يكفيها ذلك، حتى قبلت. ثم لم يفِ لها من ذلك الضمان بحرف واحد، وهي التي نحلها جرَّتين ورحى ووسادة من أدم حَشْوها ليف، فحصلت منه على الدنيا والآخرة. وزينب بنت جحش امرأة زيد التي بعث إليها نصيبها من اللحم ثلاث مرات، فردَّته في وجهه فهجرها وهجر نساءه بسببها وحلف أنه لا يدخل عليهن شهراً، فلم يصبر فدخل لتسعة وعشرين يوماً! وزينب بنت خُزيمة الهلالية. وأم حبيبة واسمها رملة بنت أبي سفيان أخت معاوية. وميمونة بنت الحارث الهلالية. وجويرية بنت الحارث المصطلقية. وصفية اليهودية بنت حيي بن أخطب التي علّمها أن تفخر على نسائه عند تعييرهن إياها وتقول: أنا التي هارون أبي، وموسى عمي، ومحمد زوجي . والكلابية وهي فاطمة بنت الضحّاك وقيل إنها بنت يزيد عمرة الكلابية. وحنة بنت ذي اللحية. وبنت النعمان الكِنْدية التي أنفت منه حين قال لها: هبي لي نفسك فقالت: وهل تهب المليكة نفسها للسوقة؟ ومليكة بنت كعب الليثية ذات الأقاصيص. ومارية أم إبراهيم ابنه. وريحانة بنت شمعون القريظية اليهودية. فهؤلاء نساؤه اللواتي كنَّ له، وأمَتَان

مسرحية محمد ـ فولتير

الشخصيات الدرامية:
محمد Mahomet .
الزبير Zopir: شيخ مكة
عمر Omar: قائد ونائب محمد
زيد Said وزينب Palmyra: عبدان لمحمد
فنار Phanor: من سادات مكة.
المشهد: مكة

الفصل الأول :المشهد الأول
الزبير وفنار

الزبير: أتعتقد أن صاحبك سيحني يوما ركبته لهذا المنافق, آآركع لأتعبد, أنا الذي قد نفيته من مكة؟ لا! ألا عاقبيني أيتها السماء كما أستحق إن انحنت هذه اليد, خليلة البراءة والحرية, لتتعبد للتمرد العفن أو تتآمر لخداع البشرية

فنار: إن حماسك لنابع عن نبل, وهو يليق بزعيم مجلس بني إسماعيل المقدس, إلا أنه قد يغدو مضرّا بمصلحة القضية التي من المفترض أن يخدمها. إن هيجانك لا يستطيح أن يكبح قوة محمد المتزايدة, وليس من شأنه إلا أن يثير رغبته بالثأر. لقد مر زمنٌ كان بإمكانك فيه أن تجرد سيف الحق لتدافع به عن حقوق مكة, وتمنع نيران الحرب من أن تنتشر في البلاد, كان محمدٌ آنذاك مواطنا شجاعا ولكنه كان يحب الشقاق, إلا أنه الآن فاتحٌ وملك. إن مدعي النبوة المكي قد أعلن نفسه نبيا مقدسا تنحني أمامه الأمم وتتعلم تعظيم الجرائم التي نمقتها. إننا لنجد حتى هنا عصابةً من المتحمسين ممن قد أطلق العنان لنفسه, إنهم مشرّبون بالحماسة الهائجة, وهم يساندون تهيئاته المفرطة بالعاطفة وقصصه التي لا أساس لها ومعجزاته الخيالية. إن هذه الأفعال تنشر التمرد بين الغوغاء, وتحشد قواته, وتنشر الإيمان بوحي الله, مما يجعله عصيا على الغير. ان محبي هذا البلد يعتقدون ما تعتقده, الا ان واسعي الحكمة لا يُتبعون احيانا فالحماسة الزائفة والخوف وحب التجديد تثير الجماهير وها ان نصف مدينتنا قد هُجر. ان مكة تدعوك يا والدها باعلى صوت وتنشد السلام.

الزبير: أسلامٌ مع خائن؟ يا لجبن هذه الامة, ما عساك ان تتوقع من طاغية غير الاستعباد ؟ إذهبوا, احنوا ركبكم وخروا سجدا لصنمٍ سوف تسحقكم يداه المضطهِدتان . أما بالنسبة لي, فسوف أمقت الخائن, إن جرح هذا القلب أعمق من أن يقبل منه الغفران , إن القاتل الهمجي قد سلبني زوجة ووَلدان, كما أن بغضه لي ليس أقل من بغضي له, فقد اقتحمت معسكر الجبان ولاحقته حتى خيمته وذحبت ابنه. إن نار الحقد متقدة في ما بيننا , ولا يمكن للزمان أن يطفئها.

فنار: آمل ألا تنطفيء, ولكن, بالرغم من ذلك, ألا يجدر بك أن تخبيء جذوة النار وتضحي بما تشعر به من الحزن لمصلحة عامة الناس؟ ماذا إن خَرّب المدينة؟ أيثأر ذلك الأمر لك؟ أيخدم قضيتك؟ إنك سوف تخسر كل شيء, الابن والأخ والابنة والزوجة, إن مكة وحدها باقية لك تعزيك فلا تفقد هذا الأمر ولا تدمر بلدك

الزبير: إن فقدان المُلك لا يكون خلفه إلا الجبن.

فنار: كما أن ذلك يكون بسبب المقاومة العنيدة.

الزبير: إذا فلنهلك إن كان هذا مصيرنا.

فنار: أن تتصرف كما لو أنك في الميناء تتحدى العاصفة امرٌ خاطيء ورعونة. لقد رأيت كيف أن السماء الطيبة قد أشارت عليك بالوسائل التي تجعل من هذا الجبار شخصا لين العريكة. إن زينب الحسناء , أسيرتك الجميلة التي قد تربت في معسكر هذا المخرب المحتل, قد أرسلتها السماء الرحيمة, رسولة السلام, ملاكك الحارس, لتطفيء جذوة محمدٍ. لقد وصل أمرها إلى مسامع محمد وها هو يطالب بها.

الزبير: أتريد مني أن أتخلى عن جائزة بمثل هذا الحسن لهذا المتوحش؟ ما هذا؟ أبينما ينشر الطاغية الدمار حوله ويهلك البشر يتم التضحية بذات الحسن والجمال لرشوة مجنون هائج؟ عندها سأحسده على هذه الحسناء الحلوة أكثر من حسدي إياه على كل مجده. على أن هذا ليس لأنني أشعر بوخزات الشوق الجامح, أو أنني أنغمس, وأنا في أواخر أيامي وعلى كبر سني, في هواها بلا حياء, ولكن, سواء أكانت مثيلاتها قد وُلدن للإمتاع , أو ليثرن في أنفسنا مشاعر الشفقة الرقيقة, أو ربما آمال أب لا ذرية له ويأمل في أن يجد فيها ابنة بديلة, لا أعرفها إلا ما أرى منها في هذه الجارية التعيسة , إلا أنني لا أزال قلقا حتى وإن كان ذلك بدافع من ضعفٍ فيّ أو بسبب نداءٍ العقل المجلجل. أنا لا أستطيع أن أتحمل رؤيتها في يد محمد, أفتراني أستطيع أن أخضعها لرغباتي, وأن أصيغ إرادتها فأجعلها تكره الطاغية كما أكرهه؟ لقد أرسلت إليها لتأتي فتحدثني هنا تحت هذه السقيفة المقدسة- أنظر! ها قد أتت تعلو وجنتاها حمرة التواضع وبياض محياها يحكي نقاء قلبها.

الفصل الأول, المشهد الثاني:
الزبير وزينب وفنار

الزبير:تحياتي أيتها العذراء الحلوة! لقد جعلتك صدفة وقوع حربٍ قاسية أسيرة للزبير, إلا أنك لست بين جماعة من الهمج, إن جميع من معي يقدرون سجايا زينب, ويحزنون لمصيرها, كما أن الشباب والبراءة والجمال يشفعون لك, وسوف لن تخيبي في نيل أي شيء تطلبينه ما دام في استطاعة الزبير أن يحقق لك مطلبه. إن حياتي في أواخرها, فأن كان لأواخر ساعاتي حياتي أن تحقق لزينب سعادتها فإني سأقدر هذه الساعات أكبر تقديرٍ, فهي ستكون أسعد ما قد عرفت منها.

زينب: إنني لم أكد أن أشعر طوال الشهرين الذان قضيتهما ها هنا, يا سيدي, سجينةً, بأنني تحت نير العبودية. إن يدك الكريمة لا تزال ممدودة لتداوي الجراح, فلقد مسحت دموع الحزن من عينيّ, وهوّنت علي شدة ما لقيت من مصيري. سامحني إن استغليت طيبتك فتجرأت على طلب المزيد, ووضعت كل رجائي في مسقبلٍ زيد فيك وحدك. سامحني إن أرفقت إلى جانب طلبِ محمدٍ طلبي, وتضرعت لك أن تمنحني هذه الحرية التي كان قد طلبها. ألا فاستمع له ودعني أقول أنني بعد السماء وبعدهُ أدين بأكثر الفضل للزبير الكريم.

الزبير: أللقمعِ, إذا, هذه المحاسن الفاتنة التي تجعلك تتوسلين لكي تكوني أمةً لمحمد, فلا تسمعين إلا ضجيج التحام الجيوش, و تعيشين معه في البوادي والكهوف, وترتحلين في أرجاء دياره دائمة التغيّر؟

زينب: إن بيتنا هو أينما يحل صفاء البال وراحته, وهنالك يكون موطننا. لقد شكّل محمدٌ لي نفسي, فله أدين بالتعاليم التي صاغت أولى سنواتي. ففي سلام وغبطة, تعلمت من شريكاته السعيدات في السرير, اللاتي, وهن لازلت محبوبات ولا يزال يحبهن, يرفعن أيديهن إلى السماء بالدعاء لأجل سلامته الغالية! فلم تلوث التعاسة يوما مقام نعمتي حتى حلت ساعة مصيبتي الحزينة, عندما جائتنا على حين غرة حرب ماحقة جعلت من زينب أسيرة. اشفق يا سيدي على ذات قلبٍ ملئه الحزن, تتنهد حزنا على أشياء بعيدة بعيدة عنها.

الزبير: أفهم من هذا, يا سيدتي, أنك تترقبين وقوعك بين يدي الطاغية وتأملين أن تشاركيه عرشه.

زينب: إنني أوقره يا سيدي. إن نفسي المرتعشة تنظر إلى محمدٍ برهبة مقدسة كالتي تجدر بإله, إلا أن هذا القلب لم يتعلق يوما بأمل كاذب يجعله يصدق بأنه سيجد زينب جديرة بأن تُزف له. كلا, إن مقاما كهذا لن يليق بحالي المتواضع.

الزبير: إنني أؤمن بأنه لم يولد ليكون زوجك أيا ما كُنتِ, لا بل أنه لا يليق له أن يكون ربّك. وأخطيء إن لم أقل أنك تنبعين من جنسٍ قد صممته السماء لوضح حدٍ لهذا الأعرابي المتباهي, ولكي يبين الحدود لمن يدعي جلالة المُلك.

زينب: عجبا! لا أعرف بم عساي أن أفاخر, أبمحتدي أم بثروتي؟ فقد عدمت الوالدين والأصحاب والوطن منذ سنواتِ رضاعتي, مقدرةً علي العبودية. وها نحن ذا مستسلمون لمصيرينا التعس, غريبون عن الكل خلا الله الذي نعبده, نعيش قانعين في فقرٍ وتواضع.

الزبير: أتكونون قنوعين؟ أو أنكم غرباء بلا أب وبلا سكن؟ إنني شيخٌ أبتر مسكينٌ وحيد. كان بإمكانك أن تكوني سلوة حياتي. لقد خخفتْ من بؤسي وجعلتْني أعدل عن جميع أخطائي رغبتي في تخطيط مستقبلٍ زيد لأجلك. إلا أنك تبغضين بلدي وشرائعي.

زينب: إنني لا أملك نفسي فكيف أكون مملوكتك؟ إنني أعطف عليك لشدة مصائبك وأباركك على حسن معاملتك لزينب, إلا أن محمدا كان بمثابة أبٍ لي.

الزبير: أبٌ! ياللآلهة العادلة! أهذا المدعي الخسيس!

زينب: أيستحق هذا الاسمَ النبيُ الكريمُ رسولُ السماء الأعظم الذي أُرسل ليبلّغ إرادتها السامية؟

الزبير: أناسٌ فانون مضللون ! ما أعمى بصيرتك حتى تتبعين متكبرا مجنونا, هذا اللص السعيد الذي لعدالتي أعفي عنه وارتقى إلى العرش بعد أن كان على منصة الإعدام!

زينب: مولاي, لقد اهتز بدني لسماع لعناتك. وبالرغم من أنني مقيدة بحبك لعطاياك بالاحترام وبأواصر الامتنان, إلا أن هذا التطاول على حاميّ العطوف يقطع الآصرة ويملأ قلبي بالرعب. آه يا خرافة, كيف تسلب قوتك الوحشية حالا أطيب القلوب وأحنها من إنسانيتها!

الزبير: عجبا يا زينب! إنني أعطف على ضعفك رغما عن نفسي وأحزن لمصيرك.

زينب: إذا فأنت لن تمنحني……

الزبير: لا أستطيع أن اُخضعك لمن خدع قلبك الساذج, لطاغية وضيع. كلا, إنك كنزٌ أثمن من أن يتم تقاسمه, فيُصبح هذا المنافق أعلى ذكرا من ذي قبل.

المشهد الثالث
الزبير, وزينب, وفنار

الزبير: ما خطبك يا فنار؟

فنار: لقد حظر عمر الشجاع للتو إلى حقل معاذ الخصب.

الزبير: فعلا! إنه عمر الباطش الحقود, صاحب الطاغية, المنتسب الجديد إلى ديانته, والذي لطالما عارضه, إلا أنه اشترك في حربه معنا بالرغم من ذلك.

فنار: ربما لايزال في وسعه أن يخدم وطنه, فقد تقدم بالفعل بشروط الصلح. إن كبار قومنا قد تفاوضوا معه, وهو يطلب رهينة, وقد سمعت بأنهم قد قدموا له زيدا ذي الشرف.

زينب: زيد! رحماك أيتها السماء!

فنار: أنظر يا سيدي! ها قد أتى.

الزبير: ها إنه عمر! لا تراجع الآن فلا بد أن نستمع لما يقوله. بإمكانك أن تغادرينا يا زينب – يا آلهة آبائي, يا من حميت بني إسماعيل طوال ثلاثة آلاف سنة مضت, وأنت يا شمس, بكل هذه الأنوار المقدسة التي تشع حولنا, اشهدي لصدقي, وساعديني وسانديني في الصراع المجيد مع الظلم والكِبَر!

المشهد الرابع
الزبير وعمر وفنار وجماعة من المرافقين

الزبير: وأخيرا, يعود عمر, على ما يبدو, بعد غياب ثلاث سنوات ليزور هذا البلد الحبيب الذي لطالما دافعت عنه يمينه والذي يخونه قلبه الصادق اليوم. يا نابذا آلهتنا, يا تاركا شرائعنا, كيف تجرؤ على الاقتراب هكذا من هذه الأسوار المقدسة لكي تؤذي وتضطهد. يا عبدا لنهّاب, ما مهمتك؟ ولم جئت إلى هنا؟

عمر: لكي ما يسامحك, يمد نبينا الكريم, بواسطة منّي, يده شفقة بك لكبر سنك ولما عُرف عنك من الشجاعة ولما حل بك من مصائب. إن عمر قد حضر لينقل لك شروط الصلح هذه.

الزبير: ألمتمردٍ حالمٍ أن يعرض الصلح؟ هذا الذي كان عليه أن يلتمس العفو؟ رحماك أيتها الآلهة! أتأذن له أن يجردك من سلطتك وتسمح له بأن يحكم الجنس البشري؟ ألا تخجل من خدمة خائن كتابعٍ وضيع؟ ألم تر كيف أنه كان مواطنا وحيدا مسكينا متواضعا, يعد بين أوضع الرعاع؟ فما أقل شأنه إذا في الثراء وفي المجد!

عمر: إن الأنفس الوضيعة كنفسك تدعي القدرة على تقييم الرجال هكذا بقياس قيمتهم بمقياس الثراء. أيها الكائن المملوء كبرا, ألا تعرف أن الدودة المسكينة التي تزحف على سطح الأرض والنسر الملكي الذي يرتقي إلى السماء كلاهما متساويان في عين خالقهما الحي البصير, وأنهما يُستصغران فلا يساويا شيئا؟ إن الرجال سواسية كلهم فبالفضائل وحدها يبين التمايز لا بالمحتد. إن هنالك أرواحا سامية تكتسب الاحترام والشرف بأنفسها ولا ترثه عن أسلافها., وهذه هذه بالذات, يا سيدي, هي عناية السماء, ومن أطيعه ومن يستحق وحده أن يكون سيدا من بينها. لسوف تركع البشرية بأسرها يوما عند قدمي الفاتح, ولسوف تتنبع الأجيال اللاحقة مثالي.

الزبير: إني أعرفك جيدا يا عمر فيدك اللعوب عبثا ترسم هذه الصورة الخيالية. إن بإمكانك أن تخدع جمهور الناس, ولكن اعلم أن بإمكان الزبير أن يستصغر ما تجلّه مكة. كن صريحا إذا, وبعين محايدة, انظر بعين العقلٍ إلى محمد, اعتبره إنسانا فانيا وخذ جيدا بنظر الاعتبار الأسس التي على شأن المدّعي الوضيع بالاستناد عليها, راعي الجمال هذا, عبدٌ فقيرٌ حقير, خدع أولا امرأة مؤمنة ساذجة, وهو الآن يجذب الضعفاء والسذج من العوام يسانده حلمٌ باطل. لقد عاقبت المتمرد بلينٍ بحكمي بنفيه, وها إن وقاحته تعود مضاعفة لتعاقبني على سهوي. لقد هرب برفقة فاطمة من كهفٍ إلى كهف, وتعرض إلى التقييد بالسلاسل وإلى الاحتقار والطرد, وخلال ذلك انتشر الهيجان الذي ادعى أن مصدره إلهي كسم زعاف بين جمع الناس. لقد أصيبت المدينة بالعدوى. آنذاك, إصغائا لصوت العقل, كان من الممكن لعمر أن يوقف الموجة العاصفة , فقد كان, إذاك, يمتلك من الشجاعة والفضيلة ما يمكّنه من مهاجمة المتغلّب الفخور, رغم أنه اليوم يركع له كعبد. إن كان سيدك الفخور نبيا حقا, كيف تجرأت على معاقبته؟ ولمَ تجرؤ على خدمته إن كان مدعيا؟

عُمر: عاقبته لأنني لم أعرفه. إلا أن غشاوة الجهل قد أزيحت الآن, إنني أراه كما هو, وأعتبره شخصا قد ولد ليغير العالم المأخوذ على حين غرة وليحكم الجنس البشري. عندما رأيته يعلو مكانة بأبهة رهيبة, صلبا, لبقا, معجبا به ومحبوبا من قبل الجميع, ورأيته يتكلم ويتصرف ويعاقب ويعفو كإله, أعرته يدي المتواضعة والتحقت بالفاتح, وكانت المحاريب والعروش مكافأتنا كما تعرف. كنت ذات يوم أعمى مثلك, إلا أن عيناي, بفضل السماء, مفتوحتان الآن. لعل عيناك يا زبير تنفتحا كذلك! دعني اتضرع لك: تغيَّر كما قد تغيّرتُ, كف عن التباهي بغيرتك وعن الكراهية الدفينة, ولا تتطاول على إلهنا بل خرّ خاضعا عند قدمي البطل الذي قد آذيته, قبّل اليد التي تحمل صاعقة الغضب لئلا تُرسَل عليك. إن عُمَرَ اليومَ الثانيْ بين البشر, إلا أن هنالك مرتبة شرفٍ قد تبقّت لأجلك, إن كنت حصيفا فتخضع وتتخذ لنفسك ربّا. لقد علمت ما كنا عليه الأمس وما نحن عليه اليوم. إن جمهور العوام ضعيف وضال على الدوام, وهو مخلوقٌ لحاجتنا, ولم يولد إلا لخدمة العظماء, ولكي يعظّمنا ويؤمن بنا ويطيعنا. إذا فاحكم إلى جانبنا, واشترك في محفل العظمة, لا تجرؤ بعدُ على مسايرة العوام بل اجعلهم يرتجفون من الآن فصاعدا.

الزبير: بل ارتجف أنت ومحمد بمكيدتك الكريهة. أتظن أن كبير مكة الأمين سيهوي عند قدمي مدعٍ ويتوّج متمردا؟ أنا لست جاهلا بقيمته الزائفة, فشجاعته وسيرته تنال حمدي, ولو كان خلوقا لأحببته كما تحبه أنت, إلا أنني أكره الطاغية وهو على حاله هذه. لذلك لا تكلمني عن رحمته الخادعة وعن عفوه وطيبته, فكل غرضه القسوة والثأر. لقد قتلتُ ابنه العزيز بيدي هذه, ونفيته, فكراهيتي لا تلين, وكذلك حقد محمد. أن دخل مكة ثانية سيكون عليه أن يشق طريقه عبر دم الزبير, لأنه ملطخ بسمعة الجريمة لدرجة لا يمكن ليد العدالة أن تسامحه بعدها أبدا.

عمر: لكي أبين لك رحمة محمد, وأن بمقدرته أن يسامح رغم عدم مقدرتك على ذلك. ها أنا ذا أعرض عليك ثلث جميع غنائمنا التي حصلنا عليها من الملوك التابعين, ضع شروطك, وعين أسباب الصلح, ووحدد شروطك الخاصة بزينب الحسناء, وخذ حقوقك من الثروة وكن سعيدا.

الزبير: أتظن أن الزبير سيبيع شرفه ووطنه لأي غرض, أو أنه سيقرن اسمه بسوء السمعة لأجل الثراء, مكافأةَ الخطيئةِ القذرةِ, أو أن زينب ستتخذ يوما طاغيةً ربّا؟ إنها أكثر خُلقا من أن أن تكون يوما أمةً لمحمد, وسوف لن أجبرها على السقوط ضحية لمدّعين سفلة, يطيحون بالشرائع ويعرضون سلامة الجنس البشري وخُلُقه للخطر.

عمر: إنك تكلم عمر بشدة لا تلين وكأنه مجرم تقاضيه, وأنا أطلب منك من الآن فصاعدا أن تتصرف بشكلٍ أفضل, وأن تعاملني كصديقٍ ورسولٍ لمحمدٍ الفاتحِ الملكِ.

الزبير: ملكٌ! من ملّكهُ ومن توجه؟

عمر: النصر! فاحترم سؤدده وارتجف لهيبة سلطانه. في خضم فتوحاته يعرض البطلُ الصلح, وسيوفنا لا تزال مجردة, فويلٌ لهذه المدينة المتمردة إن لم تخضع. فكر بأي الدماء ستسيل, إنها دماء نصف قومك. اعلم يا زبير أن محمدا ها هنا وهو الى الأن يطلب التحدث إليك.

الزبير:ماذا! محمد!

عمر: نعم, إنه يلتمس رؤيتك.

الزبير: لو كنت الحاكم المتسلط الوحيد ها هنا لأجبته سريعا….. بالعقاب.

عمر: إنني أشفق عليك يا زبير لخُلُقك المتكلّف, ولكن فلنذهب إلى مجلس الشيوخ ما دام المجلس يدعي بجرأة تقاسم الإمبراطورية معك. سيقابلك عمرُ هناك.

الزبير: سأتبعك وسنرى آنذاك من سيقدر على عرض قضيته بشكل أفضل. سأدافع عن آلهتي ووطني وشرائعي وسيخفت صوتك الفاجر المدافع عن معبودك الحقود, إلهك المضطهد ونبيه الكذاب.(ملتفتا إلى فنار) أسرع يا فنار واردع الخائن معي, فمن يعفو عن وغدٍ يكون وغدا مثله. تعال يا صاحبي ولنتوحد لنسحق كبريائه, ولنطح بأهدافه الخبيثة ,ولنحطمه أو نهلك دون ذلك. إن أصغت مكة لمشورة الزبير سأحرر بلدي من سلطة طاغية متكبّر وأنقذ الجنس البشري.

نهاية الفصل الأول

الصفحة الرئيسية في النسخة الأصلية من المسرحية

الفصل الثاني, المشهد الأول
زيد وزينب

زينب: مرحبا بزيد, أحقا أراك سليما ها هنا ثانية؟ أي إله صالحٍ قد قادك؟ وأخيرا سيكون لأحزان زينب نهاية وننال الفرصة لأن نكون سعيدين.

زيد: يا أحلى الحلوات, يا بلسما لكل جرح, يا مصدرا عزيزا لآلامي ودموعي, وا حزني مذ ذلك اليوم الدموي الذي اختطفك الهمجي العنيف المملوء بشهوة الفتوحات من بين يداي, عندما اضطجعتُ منهكا على الأرض وسط كومة من جثث أصحابي القتلى, واستدعيت الموت عبثا ليضع نهاية لوجودي المقيت. ما أكثر ما عانيت لأجل عزيزتي زينب! وكم لعنت الساعات الثقيلة التي لطالما كبحت رغبتي في الانتقام ونفسي المنهيّة التي تتوق عطشى إلى ساحات الوغى المخضبة بالدماء لكي ما أتمكن بيداي هاتين من أن أدمر محل العبودية هذا الذي لطالما ناحت فيه زينب في ظل أسرٍ محزن. ولكن حمدا للسماء! فنبينا الكريم, الذي تتسامى أغراضه التي في قلبه عن أن تفطن إليها حكمة البشر, قد أرسل خادمه المفضل عمر إلى هنا فخففت لملاقاته, لقد طلبوا رهينة فمنحت كلمتي فقبلوها, وأنا ثابت على قراري بأن أحيى أو أن أموت لأجلك.

زينب: إن اللحظة ذاتها التي أتيت فيها لتهديء من روعي وتخلصني من الياس, كنت أتضرع فيها للمغتصب المتكبر. أتعلم؟ لقد صرخت قائلة أن الغرض الوحيد الذي أعطيه قيمة قد خلفته ورائي فأعيدوه إلي. ثم أني تشبثت بركبتي الطاغية وهويت عند قدميه وغسلتهما بدموعي, إلا أن كل هذا كان عبثا. كم هز رفضه الخشن كياني! لقد غارت عيناي فوقفت بلا حراك كمن سُلبت منه حياته. لم يكن هنالك خلاص في الأفق ولم يتبق شعاع أمل حتى أتى زيد ليروح عن قلبي المتعب وليعزيني.

زيد: من بإمكانه أن يشهد أحزان زينب من غير أن يهتز؟

زينب: الزبير القاسي الذي لم يبد غير مبالٍ بمصائبي, إلا أنه برغم هذا أخبرني في النهاية أن علي أن لا آمل مطلقا بأن أغادر هذه الأسوار فلا أحد بإمكانه انتزاعي منه.

زيد: إن هذا كذب, فمحمدٌ, سيدي ومليكي, ومعه المظفر عٌمر, وسامحيني إن أضفت بفخر إلى هذين الصديقين النبيلين اسم زيد, سيعملان على عتقك, فجففي دموعك وافرحي يا زينب, فإله محمد حامينا العظيم, الإله الذي حملت رايته المقدسة والذي دمر أسوار المدينة المزهوة, سيطرح مكة عند أقدامنا. إن عمر ها هنا والشعب المبتهج ينظر بعين اليه بعين صديق, لقد أتى نيابة عن محمد وهو يحمل نوايا نبيلة.

زينب: ربما بإمكان محمدٍ أن يحررنا حقا, فيوحد بين قلبين لطالما كانا مخلصين لقضيته. إلا أنه , ويا للأسف, بعيد عنا ونحن أسرى منبوذون.

الفصل الثاني, المشهد الثاني
زينب وزيد وعُمر

عُمر: لا تيأسي فلعل السماء تكافئك, لأن محمدا والحرية سواء.

زيد: هل أتى إذا؟

زينب: وَلِيّنا وأبونا؟

عمر: لقد التقيت بأعضاء المجلس وخاطبتهم, يملأني الإلهام المحمدي, قائلا: ” داخل هذه الأسوار, حتى هنا, صدحت مناديا باسم نبينا الكريم, من فضّلته السماء, أول من نُفخت فيه الروح, العظيم, الفاتح الجبار, عون الملوك, وها أنتم لا تسمحون له إلا بمرتبة صديق ومواطن؟ إنه لم يأت ليخرّب أو ليستعبد, بل ليحميكم ويعلمكم ويخلّصكم, ليثبت سلطته ويسود على القلوب الخاشعة.” لقد تكلمت فتبسم الحكماء الشيب استحسانا, ومالوا بأجمعهم إلى التودد لنا, إلا أن الزبير, مقيما على التشبث برأيه وعلى صلابته, أعلن أن من الواجب مناداة الشعب للتجمع والإدلاء برأيهم الجماعي. التقى الشعب وتكلمت ثانية وخاطبت المواطنين, وشددت عليهم وهددتهم ومارست أنواع الفنون لأكسب مودتهم, فنجحت في آخر الأمر. إن الأبواب مشرعة لمحمد العظيم, الذي يعود بعد خمسة عشر عاما من النفي القاسي ليبارك ثانية أرض أجداده, يرافقه زير النساء عليٌ وعرفجة الشجاع وآمنٌ الذي لا يقهر, يتبعهم صفٌ طويل من خاصة الأتباع. احتشد الشعب حولنا, وكان بعضهم يحمل نظرة كراهية, وبعضهم ابتسامات مودة. بارك بعضهم البطل, ولعن البعض الطاغية. هدد بعضهم وجدّف, بينما هوى الآخرون تحت قدميه واحتضنوه وصلوا عليه. خلال كل هذا كانت أسماء الله والسلام والحرية تصدح من أفواه الحشد المؤمن, بينما كان حزب الزبير المحتضر يخور مطلقا تهديداته الفارغة بالانتقام المزعوم. وسط صيحاتهم, ثابت الجنان هادئا, مشى محمدٌ شبيه الإله بزهو الانتصار, يحمل غصن زيتون في يده. لقد تم إعلان حالة السلام بالفعل,وانظرا! ها قد أتى الفاتح.

الفصل الثاني, المشهد الثالث
محمد, عمر, عرفجة, زيد, زينب, وجماعة من المرافقين

محمد: يا أصدقائي ورفاقي في التحرير, يا علي الشجاع ويا مُراد ويا آمن ويا عرفجة, اشرعوا بعملكم العظيم, وعلموا الناس باسمي, قودوهم إلى سبل الحق, عدوهم وأوعدوهم, لا تدعوا إلها يُعبد غير إلهي, واجعلوا من لا يُحبه يخشاه.- يا زيد أأنت هنا؟

زيد: يا أبي الذي أجله دائما, ويا مليكي. تقودني القدرة الإلهية التي قادتك إلى أسوار مكة. لقد جئت قبل أن تأمرني مستعدا لان أحيى أو أن أموت لأجلك.

محمد: كان عليك انتظار أوامري, فمن يتجاوز خطوط واجبه لا يعرف واجبه. إنني خليفة السماء وأنت مُلكي فتعلم مني أن تخدم وتطيع.

زينب: أعذر, يا مولاي, شابا على تهوره, فمصائرنا وأفكارنا هي نفسها لأننا تربينا سوية منذ الصغر. عجبا! لقد كانت حياتي مليئة بالأحزان ولطالما كابدت مشقة الأسر بعيدةً عن أصحابي وعن زيد وعنك, وها أن قسوتك تطيح بآمالي الجميلة وتُظلم الدنيا بأسرها في عيني بعد أن بدأت أرى شعاع عزاءٍ يسطع علي.

محمد: مه يا زينب. أنا أعرف فضائلك فلا يقلقنّك شيء, فبرغم جميع همومي ومجدي وإمبراطوريتي وثقل الحرب, …….ك ولا تزال زينب تعيش في قلبي وتشارك البشرية فيه. سوف يلتحق زيد بفيالقنا, أما أنت يا جاريتنا الرقيقة, فبإمكانك أن تعبدي ربك بسلام, فلا تخشي من أحد إلا الزبير.

الفصل الثاني, المشهد الرابع
محمد وعمر

محمد: تريث يا عمر الشجاع, ففي قلبك المؤمن سأستودع أسرار نفسي. إن التقدم المتعثر نحو نجاح حصارٍ مشكوكٍ في فعاليته بإمكانه أن يوقف زحفنا السريع. علينا ألا نسمح لهؤلاء الفانين الضعفاء المظللين باستغلال فسحة كبيرة من الوقت تكفيهم لتصيّد إنجازاتنا. فالكبرياء تتحكم بالعاميّ تحكّم طاغية. إنك تعلم بأن هنالك حكايةً نشرتها فصدقوها, حكايةً تقول بأن هنالك إمبراطورية كونية تنتظر النبي الذي سييقود عصائب جيشه الفاتح إلى أسوار مكة ويجلب لها السلام, فقدري إذا أن أحدد مواطن عيوب الجنس البشري فأستغلها, ولكن, وبينما أحاول قدر استطاعتي أن أطمئن هذا الشعب المتذبذب, ما رأيك بزيد وزينب؟

عمر: أرى فيهما الخير كله, فمن بين القلة المخلصة من الأتباع الذين ليس لهم إله غير إلهك ولا عقيدة غير عقيدتك, والذين يحبونك كأبٍ لهم وصديقٍ ومُحسن, لا أحد يطيعك أو يخدمك بروحٍ أكثر تواضعا من روحيهما أو خاطر أطيب. إنهما الأكثر إخلاصا.

محمد: إنك مخدوع ياعمر. إنهما أسوأ خصومي, فهما يحبان بعضهما.

عمر: أو تلومهما على رقتهما؟

محمد: سأخبرك يا صاحبي بجميع ما فيّ من نقاط الضعف.

عمر: وكيف يكون ذلك يا سيدي!

محمد: إنك تعرف الشغف الذي يتحكّم بنفسي, فبينما ينوء محمدٌ بثقل الطموح لنيل المفاخر وبهموم الإمبراطورية, غدت حياته المجهدة صراعا مع طبيعة مضادة قهرتها بالزهد وإنكار الذات. لقد صرفت عن نفسي هذا السم الزعاف الذي يسلب البشرية شجاعتها, والذي….. على إيصالهم إلى حالة الجنون,….على الرمال الساخنة… أواجه الأنواء القاسية, وأتحمل المواسم المتقلبة. الحب سلوتي الوحيدة وغرضي الوحيد من كل عنائي. إنه الوثن الذي أعبده, إله محمد وخصم طموحي اللدود. إعلم أنه من بين جميع الملِكات من نسائي تجلس زينب متوجة سيدة قلبي الوحيدة. تصور إذا أي نوبات غيرة مؤلمة يشعر بها صاحبك عندما تعبّر عن غرامها القاتل بزيد.

عمر: ولكنك قد أخذت بثأرك

محمد: أحكم بنفسك إن لم آخذ بثأري منهما قريبا. وحتى تكره خصومتي بشكل أكبر, سأخبرك عن حقيقة زيد وزينب- إنهما ولدا أكثر من اُبغض وغريمي اللدود.

عمر: ماذا؟ أتعني الزبير؟

محمد: إنه والدهما, لقد مضت خمسة عشر عاما منذ أن ولاني عرفجة الشجاع مسؤلية سنوات رضاعتهما. إنهما لا يعرفان بعد ما هما أو من هما, فلقد ربيتهما سوية وأوقدت فيهما هذا العشق الفاجر, وصببت الزيت على نار الخطيئة. يخال لي كما لو أن يد السماء قد قصدت وضعهما في بؤرة كل جريمة. إلا أن عَلَيَّ….- ها! إن أباهما أتٍ نحونا وعيونه تقطر مرارة وسخطا علي – عليك الآن أن تكون يقضا يا عمر, على عرفجة أن يحرص على السيطرة على هذا الممر المهم ثم يعود ليخبرني آلمُجدي إعلان الحرب عليه أم الانسحاب بعيدا.

الفصل الثاني, المشهد الخامس
الزبير ومحمد

الزبير: يا له من مصير مشؤوم! يا زبيرا التعس, أهكذا تضطرني لمقابلة أسوأ خصومي, خصم البشرية بأسرها!

محمد: بما أن مشيئة السماء كانت أن يتوحد محمد والزبير بعد فرقة, اقترب من غير أن تشوبك حمرة الغضب وأخبرني بقصتك بلا وجل.

الزبير: إن الحمرة تشوبني غضبا منك أنت وحدك, يا من جرت ألاعيبك المدمرة بلدك إلى حافة الوبار, يا من تشن في حضن سلام عادل حربا أهلية, وتقطع عرى الصداقة الوثقى فتقضي على سعادتنا. إنك لا تنوي من خلف ستارٍ من البنود التي عرضتها إلا أن تخون بينما تتقدمك الخصومة بخلسة. يا تركيبة خسيسة من النفاق والكبر يا طاغية بغيضا! أهكذا يمنح خلفاء السماء بركاتها المقدسة ويدعون إلى إلههم؟

محمد: لو لم تكن الزبير لجاوبتك كما تستحق بصاعقة هي صوت الكائن الذي أهين باستصغارك شأنه. مسلحا بالقرآن الكريم كنت سأعلمك كيف ترتجف وتطيع بصمتٍ وضعة وأن تركع أمامي كبقية العالم الخاضع. إلا أنني ساكلمك من غير مواراة كما يكلم الرجل الرجل, والصديق الصديق. إن لدي طموحا يا زبير, وأي امرء ليس لديه ما لدي؟ إلا أنه لم يحدث أن وضع مواطن أو زعيم أو كاهن أو ملك خطة نبيلة كالتي وضعها محمد, لقد أظهرت كل أمة بدورها تفوقها في الفعال وفي عدة الجيوش. إن جزيرة العرب اليوم تخطو خطوتها إلى الإمام, فهذا الشعب الكريم, الذي لطالما كان مغمورا ومستصغرا, قد رآى أمجادها تخفو شرفها يضيع. ولكن ها أن الساعة التي سيكون لها فيها أن تنهض متوجهة تحو النصر والشهرة قد حانت. إن الأرض خاوية على عروشها من الطرف إلى الطرف, ها إن الهند مستعبدة وفارس الجريحة تنوح على أبنائها القتلى بينما تعلق مصر الرأس المقطوع. فرّت الأبهة من أسوار القسطنطينية و الإمبراطورية الرومانية التي مزقتها الخلافات تنظر إلى مواطنيها وهم ينبثون في كل صوبٍ بذلة. دعنا ننهض بجزيرة العرب على أنقاض البشرية. إن الكون الأعمى المضطرب يطلب عبادة جديدة وإلها جديدا, فلكريت إلهها مينوس ولمصر أوزوريس. لآسيا منح زرادشت شرائعه وكان نوما جليلا في روما. لطالما نشر الحكماء حكمهم التي لا جدوى منها بين أمم متوحشة, حيث لم يحكم يوما ملك, ولا ألانت الأخلاق عريكة ولا عُلمت ديانة. تحت نيرٍ أكثر نبلا أنوي أن أقيد العالَم الراكع, وأغير قوانينه المتساهلة, وألغي عبادته الباطلة, وأهوي بآلهته التي لا حول لها, وأسس بإيماني الأنقى إمبراطورية كونية. لا تقل يا زبير أن محمدا قد خان وطنه, لا, إنني لا أنوي إلا أن أهدم أسسه الضعيفة وأوحده بإلغاء الوثنية تحت حكم ملكٍ واحد ونبي واحد وإله واحد. إنني سأخضعه, ولكن لا لشيء إلا لأجعله مجيدا.

الزبير: أيكون هذا غرضك إذا, ثم تجرؤ هكذا على إعلانه ؟ ألا تستطيع أن تغير ألباب الرجال وتجعلها تفكر بطريقة تفكيرك؟ أتكون الحرب وسفك الدماء بشائر الحكمة والسلام؟ ألمخربٍ أن يعلم البشرية؟ أيجب عليك, إن اننا ضللنا طويلا في عتمة الجهل والخطأ, أن تنيرنا بمشعلك المرعب؟ ما حقك في تأسيس إمبراطورية؟

محمد: هو ذلك الحق الذي تدعي الأنفس الراسخة في الطهر امتلاكه على عقول العوام.

الزبير: بهذا, كما يبدو, يكون لكل مدعي جرئ أن يصوغ قيودا جديدة ليخدع العالم, إن كان له أن يفعل هذا بنفخة خيلاء.

محمد: أعرف قومك جيدا, وأعلم أنهم يريدون قائدا. إن ديانتي, سواء كانت حقة أو باطلة, ضرورية لهم. ما الذي فعلته جميع آلهتك وجميع أصنامك؟ وأي غارٍ ينمو تحت مذابحها؟ إن مذهبك المنحط المذل يخفظ مكانة الإنسان ويثبط روحه الطلقة ويجعله ثقيلا باردا لئيما. بينما يرتفع مذهبي به ويمنحه قوة وشجاعة. إن شريعتي تصنع أبطالا.

الزبير: أفضل أن أدعوهم لصوصا. إذهب من هنا ولا تأت بمحاضراتك الحقودة إلى هذا الموضع. إذهب إلى مدرسة الطغاة, فاخر بحيلك التي انطلت على “المدينة” الضالة التي تنفرد فيها بالحكم, حيث ينحني المتعصبون العميان لسلطانك, فتنظر إلى نظرائك يخرون سجدا عند قدميك.

محمد: نظرائي! ليس لمحمد نظير, فلقد سبقتهم منذ زمان بعيد. إن المدينة لي وحدي ومكة ترتجف أمامي فإن كنت تريد سلامتك يا عزيزي فاقبل بشروط السلام التي أمنحها.

الزبير: إنك تتكلم عن السلام إلا أنه ليس ما تضمره في قلبك. ليس أنا من يمكن خداعُه.

محمد: سوف لن أتمكن من كسبك بخدعة مكشوفة أو بأمر صارم. سأجبرك على الخضوع غدا, أما اليوم فقد كان بالإمكان أن أكون صديقك.

الزبير: أيكون لنا أن نصبح أصدقاء؟ أيمكن لمحمد والزبير أن يتوحدا يوما؟ قل لي, أي إله سيدبر معجزة كهذه؟

محمد: سأخبرك بواحد. إنه إله قدير, إله يُصغى إليه دائما. إنه يتحدث إليك من خلالي.

الزبير: من هو؟ قل لي ما اسمه؟

محمد: المصلحة, مصلحتك العزيزة.

الزبير: سرعان ما تنطبق السماء على الأرض إذا! ربما كانت المصلحة إله محمد إلا إن إلهتي هي العدالة, فأي شي له أن يجمعهما ببعض؟ أين هو الرباط الذي بإمكانه أن يلحم صداقتنا؟ أهو ابنك الذي قتلتُه أم دم آل الزبير الحي الذي سفكتَه؟

محمد: إنه دمك وهو ابنك.- إن علي اليوم أن أكشف لك سرا لا يعلمه أحد غيري. إنك تندب ولداك الموتى وهما بعد حيان.

الزبير: ما الذي تقوله؟ حيان؟ يا للنعمة التي لم اتوقعها؟ ولداي حيين؟

محمد: نعم, وكلاهما أسيرٌ عندي.

الزبير: ولداي عبدان عندك؟ مستحيل!

محمد: إن غنيمتي تغذيهما

الزبير: أوتصفح عن ولدٍ للزبير؟

محمد: إنني لن أعاقبهما على أخطاء أبيهما.

الزبير: إذا فاخبرني وقل لي, لم هما محتجزان؟

محمد: إن حياتهما وموتهما يعتمدان على قرار مني, تكلم كلمة تجد نفسك مالكا لمصيرهما.

الزبير: حدد الثمن وستناله. أعَلَيَّ أن أبذل دمي, أَم عَليَّ أن أحمل أغلالهما عنهما, فأكون عبدا لمحمد؟

محمد: إنني لأ أطلب منك أيا من هذا, لا أريد منك إلا أن تساعدني في إخضاع العالم. سلم لي مكة وتخل عن معبدك, أطلب من الشعب المذهول أن يقرأ قرآني الكريم, كن ملكا تابعا لي, وخر ساجدا أمامي, عندها سأعيد لك ابنك, وربما أكافئك بعد ذلك بأسباب الشرف وأعقد مع الزبير صلات أوثق.

الزبير: يا محمد, إنك ترى فيّ أبا رقيقا. أن أرى أولادي وأن أموت في أحضانهم, بعد خمس عشرة سنة من الغيبة القاسية,أفضل وأحسن نعمة يمكن أن تتمناها نفسي, ولكن إن كان علي أن أخون وطني أو أن أضحي بأولادي فاعلم أيها الطاغية الفخور أن القرار قد اتُخذ فعلا –أراك بخير.

محمد: يا لك من خرف عنيد! ولكنني من الآن فصاعدا سأكون أكثر صلابة وقسوة حتى منك.

الفصل الثاني, المشهد السادس
محمد وعمر

عمر: عليك بالحزم وإلا ضاع كل شئ. لقد جئتك توا بمشاوراتهم التي يسرونها. الصلح سينقضي غدا يا محمد, وسيستأنف الزبير ممارسة سلطته. حياتك في خطر فنصف مجلس الشيوخ قد تعاضدوا ضدك, ومن كان لا يجرؤ على القتال قد يستأجر مغتالا سريا ليقضي عليك. وربما غطى على جريمته بستار تحقيق العدالة, فيدعو جريمة القتل عقابا شرعيا.

محمد: سيجربوا نقمتي أولا, فلطالما كان القمع عونا لي كما تعلم. على الزبير أن يموت

عمر: نِعمَ القرار, فمصيره سيعلم الآخرين الانصياع. عجّل بذلك.

محمد: إلا أن علي, بالرغم من حنقي, أن أتستر على اليد القاتلة التي ستسدد الضربة, وأن أتجنب عين الشك الحذرة, وألا أثير الغوغاء.

عمر: إنهم لا يساوون اهتمامك.

محمد: إلا أن من الواجب إرضائهم بالرغم من ذلك. إنني أريد يدا تسدد الضربة بشجاعة.

عمر: زيد هو الرجل الملائم. سأستدعيه.

محمد: زيد؟

عمر: نعم, فهو خير الوسائل واكثرها ملائمة لتحقيق غرضنا. فلكونه رهينة عند الزبير, ربما يكون بإمكانه أن يجد فرصة ليتحدث معه, ثم أنه سرعان ما ينتقم لسيده. إن الآخرين ممن تفضلهم أكثر حكمة مما ينبغي, وهم أكثر تعقلا من أن يتم توضيفهم للقيام بهذ المغامرة الخطرة, فكبر السن ينزع عن أعين البشر عصابة السذاجة. إلا أن القلب الغر الساذج, العبد الخانع لآراءه الحمقاء, والخالي من الخداع, سيفعل ما نوجهه إلى فعله. إن فترة الشباب هي الفترة الملائمة لخلق التهيؤات, وزيد كما تعلم مؤمن بالخرافات وشجاع وعنيف, إلا أنه سهل الانقياد. كأسد مروض خاضعٍ لصوت صاحبه.

محمد: ماذا؟ أأخا زينب تعني؟

عمر: نعم, زيد, الابن شديد البأس لخصمك المتكبر. إنه الغريم الذي ينافس, بغَرامِهِ بأخته, محمدا العظيم, خصم مالكه.

محمد: إنني أمقته يا عمر, بل أكره سماع اسمه. إن ابني القتيل يستصرخني لكي أنتقم له منه, إلا أنك تعرف من كرست لها حبي وما من إين قد نبتت. كما أنك تعرف بأن الضغوط تحاصرني من جميع الجهات, فعلي أن أسعى لأمتلاك مذابح القرابين وأن أنال الضحايا وعرشا. وعلي أنا أسفك دم الزبير ودم زيد أيضا. علي أن آخذ بنظر الاعتبار مصلحتي وانتقامي وشرفي وحبي, هذا الحب القاتل الذي, بالرغم من انزعاجي منه, يقيد هذا القلب بأغلال مشينة. وعلي أن آخذ بنظر الاعتبار ديانتي التي هي دافعي الأقوى, والحاجة, التي تغطي بردائها على كل جريمة….-فلنغادر.

نهاية الفصل الثاني

الممثل الفرنسي ليكاين (1728-1778) في دور محمد

الفصل الثالث, المشهد الأول
زيد وزينب

زينب: أي زيد, لا تتركني في ترقب مرير, ما هي هذه التضحية السرية؟ وأي دم طلبته السماء؟

زيد: إن صاحب السلطان الأبدي قد قرر قبول خدمتي فاستدعاني لتنفيذ غرضه الإلهي. إن قلبي مخلص له ولأجله سترتفع هذه اليد انتقاما. إنني مكرس لخدمة عمر ومحمد, وقد أقسمت على الهلاك في سبيل قضية السماء المجيدة. أما اهتمامي التالي, وهو الأعز عندي, هو اهتمامي بزينب.

زينب: لم لم أكن شاهدة على يمينك؟ لو كنت معك لكنت أقل فجعة. إلا أن الشكوك تخامرني, فعمر يتحدث عن خيانة وعن دم سيسيل قريبا. إن نيران الحرب قد أوقدت ثانية وجرّت السيوف والسماء وحدها تعلم متى تعود إلى أغمادها. كذلك يقول نبينا الذي ليس باستطاعته أن يكذب وليس بإمكانه أن يخدهنا. آه كم أخاف على زيد, وما خوفي إلا من الزبير.

زيد: أيمكن أن يكون له قلبٌ بهذه الخسة الغدر؟ فقد حسبته, بالرغم من ذلك, هذا الصباح عندما مثلت أمامه باعتباري رهينة, نبيلا, كريما, وإنسانيا. لقد عملت قوى خفية سرا فأكسبته إياي, ولا أعلم إن كان ذلك بسبب الاحترام الذي يليق باسمه, أم لهيكله الخارجي الزائف الذي يخفي سواد قلبه, أم لأن وجودك قد ملأ روحي المبتهجة بالفرحة التي طردت كل شعور مرير فلم تسمح لي بالتفكير في شيء سواك. لقد شعرت, مهما كان السبب, بأنني في منتهى السعادة وأنا بقربه. أن يغوي هكذا قلبي البسيط أمرٌ يجعلني أبغضه أكثر. ولكن, بالرغم من ذلك, ما أصعب النظر إلى من نتمنى أن نحبهم بأعين الكراهية.

زينب: أقسم بكل رباط وحدتنا به السماء, وواحد هما زيد وزينب, أنني, لو لم أكن مخلصة لك وللإيمان الذي يلهمه محمد, لتشفعت لصالح قضية الزبير, إلا أن الدين والحب والطبيعة يأبون ذلك.

زيد: لا تحاولي بعد هذا الشعور بندم لا طائل منه, بل أصغي إلى صوت السماء, فالله الذي نعمل لأجله ستجدينه صالحا وسيبارك نبينا الكريم الذي يحمي أولاده حبنا المخلص. شخصك العزيز أخاطر بكل شيء. وداعا.

الفصل الثالث, المشهد الثاني
زينب بمفردها

زينب: إن طالعا أسودا يتنبأ بمستقبل من التعاسة لا يزال يلاحقني. ذلك الحب الذي خلق سعادتي, إن هذا اليوم الذي لطالما تمنيته هو يوم رعبٍ. ما هو هذا القسم المرعب, العهد الموقر الذي يتحدث عنه زيد؟ عندما أفكر بالزبير تعتريني ألف من المخاوف. كلما أتشفع بمحمد العظيم أشعر برعب خفي وأرتجف كلما أتعبد. ألا فاحميني أيتها السماء! إنني أطيع وأنا خائفة وأتبع كعمياء. ألا فوجهي خطاي في طريق الصواب ودبري لي كفكفة دموعي.

الفصل الثالث, المشهد الثالث
محمد وزينب

زينب: لقد استجابت السماء الطيبة لدعواتي, ها قد أتى, ها قدى أتى النبي. يا محمدا الكريم, إن زيدا الحبيب قد……

محمد: ما به؟ تبدين مضطربة, ما الذي تخشاه زينب وأنا برفقتها!

زينب: أليس من حقي ذلك عندما يبدو كما لو أن محمدا نفسه قد انتابه الحزن؟

محمد: لعل ذلك كان لأجلك. أتجرؤين, أيتها الجارية الساذجة على إشهار غرام لم أوافق عليه. هل أضحى القلب الذي شكلته أنا متمردا على سيده, وخائنا لشرائعي؟ ياللجحود!

زينب: يا مولاي, أنظر إلي وأنا مرتمية عند قدميك واعطف علي. ألم تتبسم يوما في وجهنا بطيبة ومنحت مباركة رسمية لحبنا المتنامي؟ إنك تعلم أن العشق الطاهر الذي يوحدنا ما هو إلا قيد يربطنا بك بشكلٍ أكبر.

محمد: إن الروابط التي تحيكها الحماقة والسذاجةُ خطرةٌ, فالذنب يتبع عن كثب أحيانا خُطا البراءة. إن قلوبنا تخدعنا, والحب, بكل ما يختزنه من مُتع عزيزة, قد يكلفنا الدموع, و يغرز نصله في الدماء.

زينب: ما كنت لأتمتم متذمرة لو أنها سالت لأجل زيد.

محمد: أأنت متعلقه به لهذه الدرجة؟

زينب: منذ ذلك اليوم الذي احتجزنا عرفجة الطيب سوية تحت جناح سلطانك الكريم, لا تزال الغريزة الجامحة تنمو معنا سنة بعد سنة, موحدة إيانا بصداقة رقيقة. لقد كان التدبير السماوي خلف كل خطوة نخطوها, وهو الذي يتحكم بمصائر البشر, كذلك تتعلمنا عقائدك. ليس لله أن يتغير ولا للسماء الرحيمة أن تعترض على الحب التي ألهمته هي نفسها, فما كان صوابا يوما سيكون كذلك دوما, أفبعد هذا تلوم زينب؟

محمد: بل أستطيع, وعلي فعل ذلك. بل أنك سترتعدين أكثر من ذلك عندما أكشف لك السر المفزع. انتبهي أيتها العذراء المتسرعة, ودعيني أعلّم نفسك ما عليها أن تتجنبه وما عليها أن تتّبعه. أصغي إلى أنا وحدي.

زينب: إن زينب, أمة محمد المطيعة, ستصغي دوما إليك وحدك. ليس لهذا القلب أن يفقد تكريمه لاسمك الأقدس.

محمد: إن المبالغة في هذا التكريم قد يقود إلى جحودٍ قذر.

زينب: فليعاقبني زيد إن نسيت طيبتك!

محمد: زيد!

زينب: لم يا سيدي هذه العبسة القاسية وهذا المحيا الصارم؟

محمد: لا تفزعي, فأنا لم اقصد إلا استكشاف أسرار قلبك, وتجريبك لأعرف إن كنت مستحقة لأن تُخَلَّصي, فكوني واثقة واطمأني لحمايتي. إن مصيرك سيعتمد على طاعتي, فإن كنت تتوقعين أن تباركك يداي عليك أن تتأكدي من أن تستحقي ذلك, ومهما قررت إرادة السماء في ما يخص زيدا, عليك أن تكوني مشيرته وأن تقوديه في سبل الواجب والدين. دعيه يحفظ وعده فيكون كفؤا بزينب.

زينب: إنه سيحفظه يا سيدي فلا تشك فيه, وأنا سأجيب عن قلبه كما أجيب عن قلبي. إن زيدا يهيم في حبك, هو يعبد محمدا أكثر من حبه لزينب. إنك بالنسبة له كل شيء, صاحبه وأبوه ومليكه. سأذهب إليه على جناح السرعة وأحثه على أداء واجبه.

الفصل الثالث, المشهد الرابع
محمد بمفرده

محمد: حسنٌ. عَلَيّ, بالرغم من نفسي, أن أكون مستودع أسرار. الفتاة الساذجة قد خانت لهيب ولائها المذنب وطعنت ببراءة قلبي بخنجرها. أيها الجنس التعس! يا أبت ويا أولادي ويا جميع خصومي, إن من المقدر لكم كلكم أن تجعلوني محطم المشاعر! إلا أنكم ستتثبتون عاجلا أن كراهيتي مريعة… وكذلك حبي.

الفصل الثالث, المشهد الخامس
محمد وعمر

عمر: لقد حانت الساعة, بعد طول انتظار, للاستيلاء على زينب وفتح مكة ومعاقبة الزبير. إن من شأن موته فقط أن سند قضيتنا المتهاوية ويُذل هذا الشعب الفخور. زيد الشجاع خير من يثأر لك, فلديه القدرة على الدخول بحرية إلى الزبير من خلال ممرٍ ضيقٍ على مبعدة يقول إلى مسكنه, حيث الزعماء المتمردون والنذور الباطلة والبخور المحترق تزلفا يُسكبُ أمام معبوداته الوهمية. هناك, سيضحي زيد بالخائن لإله محمد تملؤه روح الشريعة الإلهية التي ألهمتها أنت له.

محمد: سيفعل ذلك, فهذا الشاب قد ولد للقيام بأشد الجرائم السوداء حلكة. سيكون أولا عبدي الخدوم وأداتي, ومن ثم ضحية ثورة غضبي. يجب أن يكون ذلك, فسلامتي والثار وكبريائي وحبي وعقيدتي المقدسة والقرارات القطعية بشأن المصائر, كلها تتطلب مني أن يتم ذلك. ولكن, أتظن يا عمر أن لديه كل الحميّة التي يوقدها التعصب الديني الأعمى؟

عمر: أنا أعرف أن لديه ذلك, وأنه يخدم قضيتنا بشكل ملائم, وسوف تحثه زينب بدورها. إن الدين والحب والكبرياء سيعملون على سلب شبابه العنيد بصيرته, ويسرعون به إلى الهبال.

محمد: هل استوثقت منه بعهد؟

عمر: نعم, في ظل كل ما في الطقوس الليلية والعهود ومذابح القرابين من أبهة كئيبة قمنا بتكريس روحه المؤمنة بالخرافات, ووضعنا في يده السيف المقدس, وأشعلنا فيه هيجان الحماسة المضطرمة… ألا فانظر إليه.

الفصل الثالث, المشهد السادس
محمد وعمر وزيد

محمد: يا ابن السماء, يا من تقرر أن تنفذ من قبله أحكام إله تم التطاول عليه. إستمع الآن إلى مشيئته القدسية أنقلها لك بنفسي. عليك أن تثأر له انتصارا لقضيته.

زيد: يا من تنحني له نفسي المخلصة تكريما متواضعا. يا ملكا ونبيا, يا حاكما على الأمم الراكعة اعترف به صوت السماء…أنني ملكٌ لك بكل كياني. هلا أضأت لي عقلي المظلم. ألا قل كيف يُمكن لرجل ضعيف أن يثأر لإلهه.

محمد: إنه كثيرا ما يستعمل أيادٍ ضعيفة كيداك ليعاقب بها الوقحين من البشر الفانين, فيؤكد سلطته الإلهية.

زيد: أهكذا قرر من تنعكس صورته المُثلى في وجه محمد أن يشرّف زيدا؟

محمد: إفعل ما يامرك به, فتنفيذ قراره العظيم بلا نقاش أكبر شرف يمكن أن يفتخر به إنسان. كن ممتنا للاختيار وسدد اللكمة, فملاك الخراب سيساندك وإله الجنود سيحميك.

زيد: هلا تكلمت؟ أي طاغية عليّ أن أقتله؟ وأي دمٍ علي أن أسفكه؟

محمد: دم القاتل الذي يمقته محمد, الذي يضطهد ملتنا ويرفض إلهنا باحتقار والذي ذبح ابني, إنه الزبير القاسي أشد خصومي.

زيد: ها! أعلى الزبير أن يهوي قتيلا؟

محمد: أينتابك التردد في ذلك؟ يالوقاحة الشباب! ليس من الأدب الالتزام بالجدال. ألا فليكن كل من يحاسب بجرأة بعيدا عن محمد, فألئك الذين يتنمطقون قليلا ما يكونون مستعدين للإيمان. حسبك أن تطيع. ألم أقل لك ما استقرت عليه إرادة السماء؟ إن كان قد تقرر أن تصبح مكة, بالرغم من جرائمها ووثنيتها الوضيعة, المعبد الموعود, ومقر الإمبراطورية المختار, حيث سأنصب ملكا وحاجبا, أتعلم أن إبراهيم الكريم قد ولد هنا, وأن رفاته الكريمة تستقر هنا؟ هذا الذي خنق صيحات الطبيعة, طاعة لأمر الله, فتخلى عن ابنه الحبيب. إن نفس الكائن القدير يرغب منك بتقديم قربان. إنه يطلب دما. أفتتجرأ, بعد ذلك, على التردد بعد أن يأمرك الله؟ إذا, أيها الوثني الدنيء, ايها المسلم الذي لا تستحق لقبك, انصرف واطلب سيدا آخر. إذهب واعشق زينب, بالرغم من أنك تحتقرها وتتحدى نقمة السماء الغاضبة, انصرف وانس مولاك واعمل على خدمة ألد خصومه.

زيد: إن ما يقوله محمد هو صوت الله… مرني وسأطيع

محمد: إذا فاضرب, ونل بدم الزبير جزائك حياة أبدية…-يا عمر, رافقه وراقبه جيدا.

الفصل الثالث, المشهد السابع
زيد بمفرده

زيد: يا له من شيخ مسكين ضعيف لا يقدر على الدفاع عن نقسه!…-لا يهم ذلك, فكم من ضحايا قد هووا صرعى على المذابح بلا منقذ مثله! إلا أن دمائهم, رغم ذلك, تصعد إلى السماء في جداول ملؤها الامتنان. إن الله قد اجتباني. لقد أقسم زيد وسيبر زيد بقسمه المقدس…-ألا أعينيني الآن أيتها الأرواح اللامعة, يا من دمرت طغاة الأرض. ألا اجمعي ثورتك بثورتي, ألا قودي هذه اليد المرتعشة. وأنت أيها الملاك المُفني, يا من تدافع عن قضية محمد, ألهم هذا القلب كل ما فيك من الشدة! …-ها! ما الذي أراه؟

الفصل الثالث, المشهد الثامن
الزبير وزيد

الزبير: إنك تبدو مضطربا يا زيد. أيها الشاب التعس! لم انضممت إلى صفوف خصومي؟ إن قلبي يشعر بآلامك ويرتجف لهول مخاطرتك. أهوال فوق أهوال تحتشد من كل صوب. إن بإمكان بيتي أن يكون ملجا من العاصفة, فاقبل به, واعلم أنك مرحبٌ بك, فحياتك عزيزة على الزبير.

زيد: رحماك أيتها السماء! أتحميني هكذا؟ أيحرس الزبير خصمه؟ ما الذي أسمعه! يا للواجب ويا للضمير ويا للخُلُقِ! يا محمدُ, إن هذا الأمر يحز في قلبي.

الزبير: ربما تفاجات بقدرتي على العطف على عدوٍ, وعلى تمني الخير لزيد. إنني إنسانٌ مثلك, وهذه الرابطة وحدها تتطلب, على الأقل, انحدار دمعة تعاطفٍ مع برئٍ أصابته نائبة. رحماك أيتها الآلهة, أزيلي عن هذه الأرض هؤلاء البشر الوضيعين والمتوحشين, الذين يسفكون بفرح دماء أمثالهم من المخلوقات.

زيد: ياللمشاعر السامية! أفيمكن أن يوجد في كافرٍ خلقٌ كهذا؟

الزبير: إنك لا تعرف عن هذا الخُلق إلا القليل, فلا يجدر بك أن تقف في موقفك هذا واعضاً به! أيها الشاب الضال, في أي متاهة من الأخطاء ضعت! إنك تحسب, مقيدا بشرائع وحشية لطاغية, أن الخٌلٌق لا يكون إلا عند المسلم. إن سيدك يتحكم بك بقبضة من حديد, ويقيد روحك الحرة بقيودٍ مخزية. عجبا! فالزبير الذي تكرهه لا تعرفه. إنني أسامحك لأنك عبد محمد, ولكن كيف تؤمن بإله يعلم الكراهية ويستمتع بالخصومة؟

زيد: لا, أنا لا أستطيع إن أطيعه البتة. إنني أعلم وأشعر بأنني غير قادرٍ على أن أكرهك أيها الزبير.

الزبير: عجبا! كلما تكلمت معه, كلما استحوذ علي, فملامحه النبيهة, وشبابه, ونقاءه, كلها تتآمر لتسحرني. كيف لتابع لهذا المدعي الوضيع أن يكسب هكذا قلبي! من ولدتك؟ ومن أنت؟

زيد: إنني امرء يتيم تعس. كل ما أمتلكه من الدنيا سيدٌ حنون لم اعص له امرا حتى هذا اليوم. إلا أن حبي لك قد يغويني لخيانته.

الزبير: إذا فأنت لا تعرف من هما والداك؟

زيد: كانت مضاربه أول شئ رأته عيناي ومعبده موطني. إنني لا أعرف أحدا غيره, ومن بين جموع من يقدمون جزية سنوية لنبينا الكريم, لم يُعامل يوما أحدٌ برقة أكثر مما عومل زيد.

الزبير: إنني أحب امتنانه. إن ردك الطيب للجميل الذي تلقيته يستوجب مدحي…- آه, لم وضفت السماء يد محمد للقيام بهذه المهمة؟ فلقد كان أباك وأبا زينب أيضا.لم تتنهد؟ ولم ترتعش هكذا؟ لم تشيح بوجهك عني؟ لابد أن فكرة رهيبة قد تدور في ذهنك.

زيد: لا بد يكون ذلك صحيحا, فهذه الأوقات حافلة بأسباب الرهبة.

الزبير: إن كنت تشعر بالندم فقلبك برئٌ. إن جريمة القتل تنتظر خارجا, فدعني أحفظ حياتك.

زيد: رحماك أيتها السماء! أفيمكن أن أفكر بسلبك حياتك؟ يا زينب! يا عهدا قطعته! يا إله الانتقام!

الزبير: أذكرك للمرة الأخيرة بأنني توسلت إليك أن تتبعني, فمصيرك يعتمد على هذه اللحظة.

الفصل الثالث, المشهد التاسع
الزبير وزيد وعمر

عمر (يدخل مسرعا) : أيها الخائن, إن محمدا ينتظرك.

زيد: أواه, فأنا لا أعرف أين أنا ولا من أنا, الدمار والخراب واليأس محيطون بي ينظرونني, متسائلين عن الجهة التي سينطلق إليها زيد البائس.

عمر: إلى من اختاره الله, مليكك الجريح ومالكك.

زيد: نعم, وهناك سأنكث بالوعد الرهيب الذي أعطيته.

الفصل الثالث, المشهد العاشر
الزبير بمفرده

الزبير: لقد ذهب الشاب اليائس.- لا أعرف لم, ولكن قلبي ينبض تعاطفا مع محنته. إن سيماه وعطفه وندمه وجميع أفعاله تؤثر في بعمقٍ. علي أن أتبعه.

الفصل الثالث , المشهد الحادي عشر
الزبير وفنار

فنار: لقد سُلِّمت هذه الرسالة إلى يدي سرا على يد اعرابي يا مولاي.

الزبير: إنها من عرفجة! ياللآلهة, ما الذي أقرأه؟ هل ستعوضني السماء بحنان ورقة عن حياة من الأحزان بعد طول انتظار؟ عرفجة يتوسل إلي أن أراه – إنه هو الذي اختطف من هذا الحضن المحب ولداي قليلا الحيلة. إنهما لا يزالان على قيد الحياة مستعبدان عند الطاغية, هذا ما تخبرني به هذه الورقة.- زيد وزينب كلاهما يتيمٌ, ولا يعرفان نسبهما, فلعلهما يكونان ولداي- أيها اللأمل المخادع, لم تداهني؟ لا يُمكن أن يكون ذلك, أكون سعيدا بتصديقك أيها المخادع معسول اللسان. سأنطلق على جناح السرعة لألتقي بولديّ وأحتضنهما. نعم, سأقابل عرفجة. عند انتصاف الليل دعوه يدخل علي في هذا المذبح المقدس, حيث كثيرا ما توجهت إلى الآلهة بالصلاة فلربما تقبل نذوري أخيرا. يا أيتها القوى الخالدة, أعيدي لي ولداي, أرجعي إلى سبيل الفضيلة قلبين كريمين أفسدهما متغلّب فاسق خسيس! إن لم يكن زيد وزينب من صلبي وكان هذا مصيري القاسي فسأتبنى الثنائي النبيل وأكون أباهما بالرغم من ذلك.

نهاية الفصل الثالث

مثل فولتير دور الزبير ولي كاين دور محمد

الفصل الرابع المشهد الأول
محمد وعمر

عمر: مولاي, لقد ذاع سرنا, فقد أفشاه زيد لعرفجة. نحن على حافة الهاوية, إلا أنني أعلم أنه سيطيع.

محمد:أتقول أنه أفشاه؟

عمر: نعم, فعرفجة يحبه حبا جما.

محمد: بالفعل! فما قال له؟

عمر: لقد وقف مذهولا, وبدا حزينا على الزبير.

محمد: إنه ضعيف القلب, ولذلك لا يمكن الوثوق به, فلطالما كان الحمقة خونة. ولكن لا بأس بذلك, فليصغ, فلربما توجد وسيلة تخلصنا من مثل هذا الشاهد الخطير. أخبرني يا عمر, أتمت تلبية أوامري؟

عمر: لقد تم ذلك يا مولاي.

محمد: جيد. تذكر يا عمر أنه خلال ساعة مهمة سيختفي أحد الإثنين محمدٌ أو الزبير. فإن مات الزبير, سيعبد الشعب الساذج الله الذي أوحى لي بذلك, وخلّص نبيه. فلتكن هذه أولى مهامنا العظمى, وما إن تتم حتى نتخلص من زيد. أمتيقن أنت من أن السم سيقوم بغرضه؟

عمر: لا تقلق يا مولاي.

محمد: علينا أن نعمل سرا, وعلى ظلال الموت الداكنة أن تخفي غرضنا. فبينما نسفك دم الزبير العجوز, عليك أن تتأكد من بقاء زينب على جهلها المطبق, عليها ألا تعرف سر محتدها, فغبطتها وغبطتي يعتمدان على ذلك. أنت تعلم جيدا أن انتصاراتي تخرج بلا انقطاع من نبع الخطأ الدافق, فصلات الدم, وكل ما تتفاخر به من قوة ليست إلا أوهاما. ما هي أواصر الطبيعة؟ ما هي إلا عادة, وقوة التقليد المحضة. إن زينب لا تعرف لها واجبا غير طاعتها لي, فأنا سيدها ومليكها وأبوها, ولعل بإمكاني إضافة إلى ذلك اسم الزوج. سينبض قلبها الصغير بطموح وفخر ليأسر سيدها. إلا أن الساعة التي فيها أتخلص من غريمي الزبير البغيض قد أزفت. وأنظر, ها قد أتى. فلننسحب.

عمر: أنظر إلى تصرفه الأهوج, لقد استحوذ على روحه الغضب والامتعاض الشديد.

الفصل الرابع: المشهد الثاني
محمد وعمر وقد انسحبا إلى أحد جانبي المنصّة وزيد في الجانب المقابل.

زيد:إذا فمن الواجب القيام بهذه المهمة الفضيعة.

محمد (لعمر): فلنبدأ بالبحث عن وسائل أخرى لتأمين استحواذنا على السلطة. (يخرج هو وعمر)

زيد (وحيدا): لم أقد على الرد, فكلمة توبيخ واحدة تصدر عن محمد تكفي.لقد وقفت مشدوها ولكن غير مقتنع. إن كان هذا ما تريده السماء مني سأطيع, إلا أن هذا سيكلفني غاليا.

الفصل الرابع: المشهد الثالث
زيد وزينب.

زيد: زينب أأنت هنا؟ أي علة قادتك إلى مشهد الرعب هذا؟

زينب: لقد قادتني الخشية والحب إليك يا زيد, لأسألك عن التضحية الرهيبة التي تنوي تقديمها ها هنا. أتطلب منك السماء ومحمد هذا؟ أيجب أن يتم ذلك؟ تكلم!

زيد: يا زينب, أنت تسيطرين على كل أفكاري وعلى جميع أفعالي, فكلها منوطة بك. تحكمي بها كما تشائين, تملكي نفسي وقودي يدي. كوني إلهي الحارس, فسّري لي إرادة السماء التي لا أعرفها إلى اليوم, لم اصطفيتُ لأكون أداة انتقامها؟ أقطعيةٌ أوامر النبي المريعة؟

زينب: يا زيد, علينا أن نخضع بصمتٍ وألا نشك بقراراته, فهو يسمع التنهدات التي نطلقها سرا, ولا تخفى معانتنا عن عيني محمد البصيرة. الشك بالرب جهالة, فلا إله إلا إلهه, وإلا لما استطاع أن يكون مضفرا هكذا لا يُهزم.

زيد: إله زينب لا يكون إلا إلهي, إلا أن نفسي المذهولة لا تقدر أن تتصور أن شخصا حنونا رحيما وطيبا يأمر بجريمة قتل. إلا أنني أعود لأفكر في أن الشك ذنب. إن الكاهن الذي لا يشعر بالذنب يدمر الضحية. أخبرني صوت السماء أن الزبير محكومٌ عليه, وأعلم أن من المقدر لزيد أن ينفذ الحكم الإلهي. قد أمرني بذلك محمد وأنا أطيعه. أنا ذاهب لأقتل عدو الله مدفوعا بحماسة مقدسة, ولكنني بالرغم من ذلك أشعر كما لو أن يد إله آخر تشد ذراعي لأتأخر وتأمرني بأن أصفح عن الضحية. لقد فقد الدين سلطته عندما رأيت الزبير البائس. لقد ألح علي نداء الواجب عبثا لأبت في قضيته القاسية, حاثا إياي على ارتكاب جريمة القتل. لقد أصغيت إلى الصوت المتألم للإنسانية الرقية. ولكن ما أرهب جانب محمدٍ وما أفخمه! من يستطيع تحمل ثورة غضبه؟ فعبْسته تؤنب ضعفي المخجل. الدين سلطة مروعة. آه يا زينب! إنني ضائع وسط الشكوك والمخاوف, والرغبات المتناقضة تمزق هذا القلب الرهيف. علي إما أن أكون فاجرا وأن أكفر بمعتقدي أو أن أكون قاتلا. لم يُخلق زيد ليكون مغتالا, إلا أن هذا أمر السماء وقد وعدت بأن أثأر لها. إن دموع الحزن ودموع الغضب تجريان سوية, والمهام المتنافسة تعصف في داخلي. عليك أنت وحدك يا زينب, أن تهدئيها. عالجي قلبي المضطرب, وامنحيه السلام. وا عجباه! بدون هذه التضحية المروعة, ستنفصم إلى الابد العرى التي تربطنا سوية, ولهذا الأمر وحده أن يضمنك لي.

زينب: أنا إذا ثمن الدم, دم الزبير؟

زيد: كذلك حكمت السماء ومحمد.

زينب: لم يكن غرض الحب يوما أن يجعلنا قساة همجا مجردين من الإنسانية.

زيد: لا ينبغي أن توهب زينب إلا بقتل الزبير لا غيره.

زينب: يا للشرط القاسي.

زيد: إلا أنها مشيئة السماء ومشيئة محمد.

زينب: واعجباه!

زيد: إنك تعرفين أمر اللعنة المخيفة التي تنتظر مرتكب العصيان, لعنة الآلام الأبدية.

زينب: إن كان لابد لك من أن تكون أداة انتقامٍ, وإن كان الدم الذي وعدت به سيُطلب على يدك…..

زيد: ما عسا أن يُفعل؟

زينب: إنني أرتعش عند تفكيري بذلك, ولكن بالرغم من ذلك….

زيد: إذا يجب أن يكون ذلك, لقد قررتِ مصيره . ها قد وافقت زينب.

زينب: أوافقتُ؟

زيد: قد فعلتِ.

زينب: يا للخاطرة البغيضة! ما الذي قلتُه؟

زيد: عبرك يُصدر صوت السماء أمره المروع النهائي, وأنا أطيع. ذلك النُصْب المميت, موقع تعبّد الزبير المفضل, هناك يحني ركبتيه لآلهته الزائفة. انسحبي يا زينب الحلوة.

زينب: لا أستطيع أن أتركك.

زيد: لا ينبغي أن تكوني شاهدة على فعلٍ مروع كهذا. إن هذه يا زينب لحظات رهيبة. اهرعي إلى ذلك البستان, هناك ستكونين بقرب النبي, اذهبي.

زينب: إذا, على الزبير أن يموت؟

زيد: نعم, محتمٌ على هذه اليد أن تجره إلى التراب, أن تقتله هناك وتغسل ذلك النصب الخرب بدمه.

زينب: يهلك على يديك! إنني أرتجف عند تفكيري بذلك. ولكن انظر! ها قد أتى , أيتها السماء العادلة!

(يُفتح الطرف الأبعد من المنصة, ويُكشف عن مذبح) الزبير وزيد وزينب, إلى أحد الجانبين.

الزبير (واقفا قرب المذبح): إنك يا آلهة مكة الحارسة مهددة بمذهبٍ فاجر أصحابه مدّعين أنذال. استغلي قدرتك الآن وأصغي إلى صلوات عبدك الزبير التي لعلها أقل ما بإمكانه القيام به. لقد انفصمت العرى الضعيفة لسلامنا القصير, و نقمة الحرب الطاحنة تثور. هلا ساندت القضية ضد هذا المتغلّب.

زيد (جانبيا متحدثا إلى زينب): أصغ يا زينب إلى تجديفه.

الزبير: فليكن الموت من نصيب الزبير! لا أتمنى شيئا من هذه الدنيا غير أن أرى ولداي في آخر ساعاتي, وأن أحتضنهما, وأن أموت بين يداهما المحبوبتان. لعلما حيّان, لعلهما ها هنا, لأن شيئا ما يهمس لي بأنه لا يزال بإمكاني أن أراهما.

زينب (جانبيا إلى زيد): أيتكلم عن ولديه؟

الزبير: سيسعدني أن أموت إن رأيتهما. ارعيهما واحميهما أيتها الآلهة اللطيفة, دعيهما يتخذان منهجي في التفكير ولكن لا يكونان كمثلي بائسين.

زيد: أرأيت؟ إنه يتوجه بالدعاء إلى آلهته الزائفة. حان وقت لوضع نهاية لحياته. (يجرد سيفه)

زينب: لا تفعل يا زيد.

زيد:إن هذا السيف المكرّس لقضية السماء مجردٌ لأخدم به إلهي ولأنال الرضى فأستحقك, ولسوف أدمر به ألد أعداءه. إن ذلك الممشى الكئيب يدعوني إلى الفعلة. أخال الدرب داميا, الأطياف المرتحلة تنساب خلال الظلّ وتوميء لي أن أرحل.

زينب: ما الذي تقوله يا زيد؟

زيد: يا ملائكة الموت, قودوني نحو المذبح, وخذوا بيدي المرتعشة.

زينب: لا يجب أن يكون ذلك, إنه أمرٌ مروع. توقف يا زيد.

زيد: لا, لقد أزفت الساعة, فانظري, ها إن المذبح يرتجف.

زينب: إنها علامة على موافقة السماء, وعلينا ألا نشك بعد هذا.

زيد: أتعني بذلك دفعي أم ردعي؟ إن نبينا سيوبخني على هذا الضعف. زينب!

زينب: حسنٌ!

زيد (يخاطب السماء): إنني منطلق لتنفيذ المهمة. (يذهب إلى ما خلف المذبح حيث ينزوي الزبير)

زينب (وحيدة): ما أرهبها من لحظة! ما أشد شعوري الداخلي! إن الدماء تجري في عروقي باردة. ولكن, إن كانت السماء تطلب هذه التضحية, من أكونُ لأطلق أحكاما أو لأطرح أسئلة أو لأتذمر؟ أين القلب الذي يدرك ذاته, الذي يميز بين برائته وبين ذنبه؟ علينا أن نطيع. ولكن اصغي! أعتقد أنني سمعت صوت الموت المحمّل بالآلام, لقد تمت الفعلة. ها إنه خِلي زيد!

زيد (يعود بادية عليه آثار الهيجان): أي صوت هذا؟ أين أنا؟ أين زينب؟ لا أستطيع أن أرى زينب. أواه, لقد راحت, ضاعت إلى الأبد.

زينب: أعميت عن رؤيتها, هذه التي لا تحيا إلا لأجلك؟

زيد: أين نحن؟

زينب: تكلم يا زيد, هل تم أداء التضحية المروعة, فتحقق بذلك وعيدك؟

زيد: ما قلتِ؟

زينب: الزبير, أهو ميتٌ؟

زيد: من؟الزبير؟

زينب: أيتها السماء الطيبة احفظي عقله! تعال يا زيد, فلنغادر.

زيد: كيف تحملاني هتان الساقان المرتجفتان! إنني أستفيق. أهذا أنت يا زينب؟

زينب: نعم. مافعلت؟

زيد: أطعت صوت السماء, قبضت بهذه اليد اليائسة على خصلات شعره الفضية, وسحبته إلى الثرى. لقد كان ذلك أمرك. يا الله! ما كنتَ لتأمرني بارتكاب جريمة! وقفتُ لوهلة مرتعدا وشاحبا, ثم جردت هذا السيف القدسي, وغرزته في صدره. أي نظرة رقة وحب ألقاها الشيخ المسكين على قاتله! إن قلبي يحتفظ وسيبقى محتفظا بهذه الخاطرة الحزينة. ليتني مت كما مات.

زينب: فلنعد إلى محمد النبي الذي سيحمينا فأنت هنا في خطر. اتبعني.

زيد: لا أستطيع يا زينب. ارحميني.

زينب: أي خاطرة مريرة تصيبك بكآبة كهذه.

زيد: لو أنك رأيت نظرته الرقيقة, عندما سحب السلاح القاتل من جانبه الدامي وصرخ :”زيد يا عزيزُ, يا زيد المسكين التعس!” آه, ذلك الصوت وتلك النظرات والزبير يتضرج بدمائه عند قدميّ باقية أمام عيناي. ما الذي فعلناه؟

زينب: إنني أرتجف خشية على حياتك. بحق كل أصرة مقدسة تجمعنا سوية, فُرَّ وخلّص نفسك.

زيد: اذهبي واتركيني, لم أمرني حبك المشؤوم بارتكاب هذه التضحية المروعة يازينب؟ فبدون أمرك القاسي ما كانت السماء نفسها لتُطاع.

زينب: يا للتوبيخ القاسي! لو عرفتَ ما تعاني منه زينب لأشفقتَ عليها!

زيد: أي شيء مخيفٍ هذا الذي أمامنا؟

(ينهض الزبير ببطء من خلف المذبح ويتكيء عليه)

زينب: إنه الزبير القتيل داميا وشاحبا يجر ساقيه المحطمتان متجها نحونا.

زيد:هل ستذهبين إليه؟

زينب: علي أن أفعل ذلك. لأن الشفقة والندم يسلباني روحي, ويسحباني إليه.

الزبير (يتقدم متكئا على زينب): أيتها العذراء اللطيفة, اسنديني! (يجلس) يا زيدا الجَحود, لقد قتلتني, وها أنت الآن تبكي! لقد فات الأوان.

الفصل الرابع, المشهد الخامس
الزبير, زيد, زينب وفنار

فنار: يا له من منظرِ مرعب! ما الذي أجده ها هنا

الزبير: كنت أتمنى لو أنني رأيت صاحبي عرفجة. فنار أأنت هنا؟ تعال وانظر إلى قاتلي. (يشير إلى زيد).

فنار: يا له من ذنب! يا لها من فعلة شنعاء! يا زيدا التعس انظر إلى…….أبيك.

زيد: من؟

زينب: هو

زيد: أبي؟

الزبير: رحماك أيتها السماء!

فنار: لقد احتضنني عرفجة بذراعيه في آخر لحظاته وصرخ منتحبا: ألا اسرع, إن كان هنالك فسحة من الوقت, امنع ارتكاب جريمة قتل ولد لوالده, وأوقف يد زيد. لقد كتم الطاغية في صدري السر المخيف, وها أنا ذا أتعذب بسببه وأموت بيد محمد الكريهة. أسرع يا فنار بل انطلق على جناح السرعة وأبلغ الزبير أن زيدا وزينب… هما ولداه.

زيد: زينب!

زينب: أنت أخي؟

الزبير: أيتها الآلهة! أيتها الطبيعة, لم تخدعيني إذا عندما تشفعت لهما! يا زيدا التعس,ما عساه حثك على ارتكاب فعلة دنيئة كهذه؟

زيد (راكعا): امتناني, وواجبي, وديني, وكل ما يقدسه بنو البشر, دفعوني لاتكاب أسوا الأفعال. أعد لي هذه السلاح القاتل.

زينب (ممسكة بذراع زيد): اغرزه في صدري. لقد كنت سببا في مقتل أبي العزيز وكان سفاح القربى ثمنا لجريمة القتل.

زيد: اضربينا كلانا, فالسماء لمّا تعاقب كفاية على جرائم كجرائمنا.

الزبير (محتضنا إياهما): فلأحتضن ولداي. لقد صبت الآلهة في كأس أحزاني جرعة من أحلى فرحة. إنني أموت قنوعا وأسلم نفسي لقدري. إلا أن عليكما أن تعيشا يا ولداي. بحق اسم الطبيعة المقدس وبحق دم والدكما المحتضر الذي يجري متدفقا من الجرح الذي تسببتما فيه يا ولدي زيد ويا زينب, أتضرع إليكما أن تعيشا , انتقما لنفسيكما, وانتقما للزبير الجريح, ولكن حافظا على حياتكما الغالية. إن الساعة العظيمة المهمة تقترب, فعليكما ان تغيرا المشهد المحزن. سينهض الشعب الجريح بسلاحه, ما إن يتبين الفجر, ويعاقب المتغلب. سيضيف دمي وقودا جديدا تضطرم به غضبتهم. فللننتظر انتهاء المسألة.

زيد: ألا أنني منطلقٌ للتضحية بالوحش, فإما أنتقم لحياة أبٍ عزيز أو أخسر حياتي.

الفصل الرابع, المشهد السادس
الزبير, زيد, زينب, عمر, ومرافقون

عمر: اقبضوا على القاتل أيها الحرس, لقد أتى محمد ليعاقب على الجريمة ويطبق القوانين.

الزبير: ماذا أسمع؟

زيد: هل أمرك محمدٌ بمعاقبة زيد؟

زينب: يا للطاغية الكريه, ألم تكن الجريمة قد نفذت بناءا على أمرك؟

عمر: لم يتم إصدار أمرٍ كهذا.

زيد: حسنا كوفئت بهذه الجائزة العادلة على قسوتي.

عمر: أطيعوا أيها الحرس.

زينب: توففوا, سوف لن…..

عمر: يا سيدتي, إن كانت حياة زيد غالية عندك, عليك بأن تسلّمي صابرة, لئلا حل على رأسك غضب النبي كالصاعقة. فإن أطعت, سيكون بإمكان محمد العظيم أن يحميك. أيها الحرس قودوها إلى الملك.

زينب:ألا خذني أيها الموت بعيدا عن هذا المشهد المحزن للفجيعة التي لا أخر لها. (يحمل زيد وزينب بعيدا).

الزبير (لفنار): لقد راحوا, ضاعوا. ياللأب الأشد تعاسة. إن الجرح الذي ألحقه بي زيد ليس بأعمق ولا أشد إيلاما من هذا الفراق.

فنار: انظر يا سيدي, لقد حل الصبح وها هي الجموع المسلحة تتقدم لتدافع عن قضية الزبير.

الزبير: اسندني يا فنار, فلعل صاحبك يحيا ليعاقب هذا المنافق الخسيس, فربما بموتي أقدم خدمة لولديّ العزيزين القاسيين.

نهاية الفصل الرابع.

الفصل الخامس, المشهد الأول
محمد, عمر, حرسٌ على مبعدة.

عمر: إن اقتراب الزبير من حتفه يثير مخاوف العامة, لقد حاولنا التخفيف من روعهم وأنكرنا كل معرفة بأمر الفعلة. لقد أسمينها في خطابنا مع البعض يد السماء المنتقمة التي بهذه الفعلة تبين ميلها لقضية النبي. وفي خطابنا مع الآخرين نعينا سقوطه قتيلا, وتفاخرنا بعدالتك المهابة التي سوف تنتقم له قريبا. لقد أصغى الحشد بانتباه لمديحك فانتهى خطر الثورة. وإن بقي شيء من غضب فرقة متطفلة, فهو لن يكون إلا كتلاطم الموج إثر العاصفة بعد أن تصبح السماء هادئة صافية.

محمد: فلنحلرص على أن يبقى الأمر كذلك. أين عصائبي المغوارة؟

عمر: إنها جميعا على أهبه الاستعداد. لقد قادهم عثمان في عتمة الليل إلى مكة عبر ممراتٍ سرية.

محمد: من المستغرب أن يكون من الضروري إما خداع الناس أو إجبارهم ليطيعوا. ألا يعلم زيد بأن الدم الذي سفكه كان دم أبٍ؟

عمر: من عساه يعلمه بذلك؟ عرفجة, وهو الوحيد الذي يعرف السر قد فنى, وسرعان ما يتبعه زيد. أما الآن فهو قد شرب السم بالفعل. لقد عوقب على جريمته ساعة ارتكابها. لقد كان الموت يجري خلسة في عروقه حتى وهو يجر والده إلى المذبح فلا يمكن أن يبقى حيا. زينب حية أيضا وبإمكانها أن تكون مفيدة. لقد منحتها الأمل بالعفو عن زيد حتى أكسبها إلى قضيتنا وهي لا تقدر على التذمر, كما أن قلبها طيّع ورقيق, خُلق ليُطيع وليكرم محمدا ويجعله قريبا أسعد البشر. ها هم يحضرونها إليك مرتجفة وخائفة.

محمد: احشد قواتي ثم عد إلي يا عُمر.

الفصل السادس, المشهد الثاني
محمد, زينب وحرس

زينب: يا للسماء! أين أنا, رحماك يا الله!

محمد: لا تفزعي, لقد قدرنا مسبقا مصير مكة. اعلمي ان الخطب الجلل الذي يملأ نفسك بالرعب سرٌ بين السماء وبيني لا يجب إفشاءه. إلا أنك حرة وسعيدة فلا تشغلي فكرك بعد بزيد ولا تنحبي عليه. اتركي لي مصائر الرجال, وكوني شاكرة على ما آل إليه مصيرك. إنك تعرفين أن محمدا لطالما أحبك, وأنني لطالما كنت أبا لك, ولربما رفع قدرك بشكل أكبر موئلا أكثر شرفا ولقبا أفضل, غن استحقيتيه, لذلك امحي من ذاكرتك اسم زيد واسمحي لروحك أن تتطلع إلى نعَمٍ أكبر يكون لها أن تأمل بها. فليكن قلبك آخر انتصاراتي وأكثرها تشريفا, وانضمي إلى العالم المقهور فتتخذين مني سيدا لك كما فعل.

زينب: أي مُتع وأي نِعمٍ وأي سعادةٍ لي أن أتوقعها منك أيها المدعي النذل؟ أيها المتوحش الدامي! هذا وحده ما ينقص, هذه الإهانة القاسية تنقصني لأكمل بها أحزاني. أيها الأب الخالد انظر إلى هذا الملك, هذا النبي الكريم, هذا الإله القدير الذي عبدته. يا وحشا خدع قلبين نقيين فأقنعتهما بارتكاب جريمة قتل أبيهما المروعة, يا مغويا سيء الصيت لشبابي البريء. كيف تجرؤ على الاعتقداد بأن بإمكانك كسب قلب زينب وأنت ملطخ بدم أبي العزيز؟ ولكن اعلم أيها الطاغية المتكبر أنت لست بعد لاتُقهر. إن القناع الذي يُخفيك قد سقط, ويد الانتقام مرفوعة لتجلدك عقابا لك على ذنبك. ألا تسمع صوت الحشد الهائج المجهز بسلاحه ليدافع عن البراءة الجريحة. إن والدي القتيل سيأتي ليقودهم من بين ضلال الموت المعتمة.ألا ليت لهتين اليدين الضعيفتين أن تمزقاك إربا, أنت وكل أتباعك! ليت لي أن أراهم يضرجون في دماءهم. أنظر إلى مكة والمدينة وآسيا, لقد اجتمعت كلها ضدك! حتى ينفض العالم الساذج عن جسده قيودك القذرة فتكون ديانتك مصدر تفكه واحتقار البشرية بأسرها إلى أجيال فأجيال! ليت هذه الجحيم التي كثيرا ما حذرت منها كل من تجرأ على الشك في لاهوتك الزائف تفتح الآن بواباتها النارية وتكون جزاءك العادل! هذا هو الشكر الذي أدين به لك لأجل مكارمك وهذه هي الصلوات التي أؤديها لأجلك.

محمد: أرى أنني قد غُدرتُ.ولكن فليكن. مهما كنت, تعلمي أن تطيعي من الآن فصاعدا, أما هذه المرة فتعلمي أن تطيعين قلبي.

الفصل السادس, المشهد الثالث.
محمد, زينب, عمر, علي ومرافقون

عمر: لقد كُشف السر, فقد أفشاه عرفجة ساعة موته. لقد اقتحم الشعب الثائر السجن, وقاموا مسلحين, حاملين على أكتافهم الجثة الدامية لزعيمهم التعس, نادبين نهايته, ومنادين عاليا بالثأر له. إن الفوضى تعم في كل مكان. وزيد على رأسهم يحثهم على التمرد ويصرخ: “أنا قاتل أبيه” بغضب وبحزن. إنه يبدو كمن به جُنة. الشعب يهتف بصوت واحد لاعنا النبي وإلهه. حتى من وعد بالسماح لقواتنا بالدخول داخل أسوار مكة قد تآمروا معهم ليشهروا سلاحهم اليائس ضدك, فلا يُسمع غير صرخات الموت والانتقام.

زينب: فلتآزره السماء العادلة ولتنتصر لقضية البراءة.

محمد (لعمر): حسنٌ, وما الذي علينا أن نخافه؟

عمر: إن عمر, يا مولاي, ومعه أصحابك المخلصون القلائل, مجهزون لمجابهة العاصفة الثائرة ولأن يهلكوا عند قدميك, مستصغرين الخطر.

محمد: بمفردي سأدافع عنكم جميعا. اقترب وانظر وقل أنني اتصرف كمحمد.

الفصل السادس, المشهد الرابع
محمد, عمر وحزبه في جانب, وزيد والشعب في الجانب الآخر. زينب في الوسط.

زيد: انتقموا لأبي, اقبضوا على الخائن.

محمد: أيها الشعب الذي ولد ليطيعني, استمعوا لسيدكم.

زيد: لا تصغوا للوحش, اتبعوني. (يتقدم قليلا ثم يترنح) ياللسماء! أي ضلمة مفاجئة غطت عيناي المضطربتان؟ اقتحموا الآن يا رفاق…. آه, إنني أموت.

محمد: ها! إذا فكل شيء على ما يُرام.

زينب: يا أخي, ألا تستطيع أن تسفك دما غير دم الزبير؟

زيد: بلى. تعالي… لا أستطيع, إلهٌ ما يسلبني قواي (يُغمى عليه)

محمد: منذ الآن فصاعدا, فليعلم كل خصمٍ لمحمد أن يخاف ويرتعد. اعلموا أيها الكفار المتكبرون, أن هذه اليد وحدها لها القدرة على أن تسحقكم جميعا, فقد أناط بي إله الطبيعة سلطانه. اعترفوا إذا بنبيّه, وبشرائعه, وليحكّم ذلك الإله في الخصومة التي بين محمد وزيد, وأيا منا كان مذنباٌ أيا كان ذلك الذنب, فليهلك في التو واللحظة.!

زينب: أخي زيد, ألهذا الوحش المفاخرة بسلطة كهذه؟ إن الشعب واقف مشدوها به مرتعدا لسماع صوته, أفتخضع لمحمد؟

زيد (يسنده مرافقوه): وا عجباه! إن يد السماء مسلطة علي, إن الجريمة غير المقصودة يقتص منها بشدة. عبثا يا زينب كان زيد خلوقا. لو أن السماء هكذا تعاقب على على أخطائنا, فأي شيء يتوقع من جرائم كجرائمك يا محمدا البغيض؟ مالذي يجعلك ترتعد!… إنني أموت. استقبليني أيتها السماء الرحيمة واعفي عن زينب. (يموت)

زينب: ليست السماء الغاضبة من تلاحق زيدا, ليست السماء الغاضبة, لا, بل قد دُس له السُم.

محمد (مقاطعا إياها ومخاطبا الشعب): أيها الكافرون, تعلموا من مصير زيد أن توقروا محمدا الذي تدافع عنه السماء. إنكم ترون كيف أن الطبيعة والموت قد أصغيا لصوتي, وأن هذه الجثة الشاحبة كانت شاهدة على طاعتما. إن سيف القدر معلقٌ فوق رؤوسكم, احذروا من أن يهوي عليكم. هكذا سأجازي كل المتمردين الفسقة, وجميع الكفار الانجاس, وأعاقب على كل كلمة وفكرة موجهة ضدي. فإن كظمت غيظي وأستحييتكم تذكروا أيها الخونة أنكم تدينون بوجودكم لتسامحي. أسرعوا إلى المعبد واسجدوا لعرش الرحمة, وصلوا اتقاءا لنقمة محمد. (ينسحب الشعب)

زينب: امكثوا واستمعوا لي أيها الناس. إن الهمجي قد دس لأخي السم….إيها الوحش الذي رفعته الجريمة هكذا ليستلم إمبراطورية, ويُأله بالذنب. يا قاتل جنس زينب الشقي, أكل عملك واسلب حياتي البائسة. يا أخي العزيز دعني أتبعك! (تقبض على سيف أخيها وتطعن نفسها).

محمد: أقبضوا عليها وامنعوها.

زينب: لقد فان الأوان فأنا أموت. إنني آمل, وأنا أسلم روحي, وجود إله أكثر عدلا من إلهك يكون محتفضا بسعادة تجازي على البراءة الجريحة. فليحكم محمد هنا بسلام فهذا العالم قد خُلق للطغاة. (تموت)

محمد: لقد راحت, ضاعت. الجائزة الغالية الوحيدة التي رغبت بالاحتفاظ بها من بين جميع جرائمي.عبثا قاتلت وفتحت فمحمد بلا زينب تعيسٌ. أيها الضمير, الآن أشعر بك, وأشعر أن ليس بإمكانك أن تمزق القلب المذنب. أيها الإله السرمدي, الذي جعلتُه أداة سوء, والذي أسأت له, وتحديته, وجدفت بحقه, يا من لا زلت أخافه, إنظر إليّ وكيف أني معترفٌ بجرمي وكيف أني يائسٌ مع أن العالم يصلي علي. عبثا كان كل سلطاني الذي أفاخر به. لقد خدعت البشرية, ولكن كيف لي أن أفرض على قلبي شيئا؟ يجب أن يُنتقم لأبٌ قتيل, ولولدين بريئين. تعالوا أيها الضحايا البائسون وضعوا لي نهاية على عجل!..يا عمر, علينا أن نجهد لإخفاء هذا الضعف المخزي, وإنقاذ مجدي, فلأحكم على عالم موهوم. لأن محمدا يعتمد على الخديعة وحدها, ولكي يكرُم, لا يجب أن يُعرف ذلك أبدا.

انتهى ..

تأليف : الأديب الفرنسي فولتير
ترجمة: ابن المقفّع…
« آخر تحرير: 25/09/2012, 05:59:24 بواسطة أبن المقفّع »

الحكم بما يرضي الله

من بين ما يلبّد سماء الأمة العربية الكئيبة، في هذه الأيام العصيبة، و يلوث صفاء فضائها المتهالك، مصطلح ( ما يرضي الله) الذي يعمل مرضى الله و صعاليك رسوله على بعثه من قبره.
و مما يستفاد من هذا المصطلح هو أنه يعني فيما يعنيه، كل شيء أمر الله بفعله و حث عليه و رغّب فيه..فالركوع و السجود و التذلل و الامتهان و التمسح بالأحجار هو مما يرضي الله.كذلك القتل و النكح و البضع و الجهل و الفقر، كل ذلك مما يرضي الله. و بما أن أفعال المرء تكون على درجات فإن ما يرضي الله يتفاوت هو الآخر قيمة و أهمية و قبولا عند الله..فالصدقة، ورغم أنه لا يناله منها شيء، فإنها قد ترضي الله و قد لا تفعل ، و لكن الأكيد و المؤكد هو أن صداق النكاح و أجور المنكوحات يرضيه أكثر..كما أن الأضحية و التقرب بغشاء الحشفة هو مما يرضي الله، إلا أن الجهاد في سبيل الله و لو بالذكر هو مما يرضيه أكثر فأكثر..كذلك الزواج،فهو مما يرضي الله بحق، إلا أن الزواج بأربع قواصر لهو الأكبر درجة عند الله و الأعظم إرضاء له.
هكذا نرى بأن هذا المصطلح الكريه ينتشر شيئا فشيئا ليشمل جميع أنشطة المسلم و معاملاته.فمنذ أن يفتح عينيه على شمس الصباح، و إلى أن يضمه دفء فراش الليل، يعيش المسلم الحنيف على ما يرضي الله. يبيع و يشتري بما يرضي الله.يستفتح الأعمال بالبسملة و الحوقلة، و يختتمها بالحمدلة و الاستغفار، و بين الاثنتين..غش كثير بما يرضي الله، و حلف على الكذب و هو يعلم، بما يرضي الله، و نصب و كيد و احتيال و احتكار و زبونية و فساد عظيم ..بما يرضي الله.
و إذ يزني المسلم فإنه لا يزني إلا بما يرضي الله. ينكح الميتة و القاصر دون الحلم و البهيمة، و يزني بالمثنى و الثلاث و الرباع..كل ذلك بما لا يحالف ضره الله و سنة رسوله و لا يخرج عن مذهب أبي حنيفة النعمان و الأئمة الأربعة. حتى إذا ما قضى من عواهر الشرع أوطاره، رمى بهن إلى سراديب الدعارة بحجة أن الزواج حلال و أن الطلاق أبغض الحلال إلى الله. و تعتبر مؤسسة الزواج الإسلامية أكبر ماكينة لتفريخ المومسات و أبناء الشوارع و المتخلى عنهم بما يرضي الله.
أما عن الإجرام فحدث و لا حرج.. إذ الكافر و المرتد و الملحد و الخارج عن الملة و الدين تجوز سرقتهم في شرع الله ، و يجوز ابتزازهم و نهبهم و سلبهم و سبيهم بما يرضي الله.و لا يلوم المسلمَ لائم ، و لا يخزه ضمير أو يثنيه خلق عن قتل المخالف و المعارض له، لأن قتله و سحله و الفتك و التمثيل به، فرض عين في شرع الله و جهاد في سبيله.. و أن عصب الإسلام و رأس الإيمان لهو الجهاد..و أن منه جاهد في سبيل الله بماله و ذكره و نفسه فقد فاز فوزا عظيما. و لئن سألت المسلم عن القتل بما يرضي الله قال هو القتل بالمعروف و الرأفة بالمقتول، و يتم ذلك بالتكبير و الذبح من الوريد إلى الوريد و سبي الأهل و نهب المال و قطع النسل و محو الاسم و طمس الأثر… فلنعم القتل قتل المسلم و لنعم المرضاة مرضاة رب المسلم.
و إن من بركات ما يسمى بالربيع العربي أن اتسع نطاق استعمال هذا المصطلح الخبيث ليغزو أدبيات الحكم و قوانينه في الدول و الأقطار التي مسها مدّ الخراب الإسلامي، و التي تمثل مصرُ أكبر و أجود شاهد عليه..فبعد سطوهم على دواليب الحكم و سيطرتهم على خزائن الدولة و تمكّنهم من أعناق العباد، هاهم الخرفان المجرمون يخربون مؤسسات الدولة و يدمرون اقتصادها بما يرضي الله، و هاهم ينتهكون الحرمات و يضيقون على الخريات و يسعبدون المواطن و يهينون الكرامات، و يصادرون الحقوق و يغتصبون المكتسبات..و كل ذلك يتم بما يرضي الله
فماذا بقي بعد مما لا يرضي الله، إذا؟؟؟
إن كل ما من شأنه انتزاع القيمة من الإنسان و امتهانه و احتقاره و اغتصاب إنسانيته و انتهاك أعراضه لهو مما يرضي الله . و إن كل ما يعظم الإنسان و يكرمه و يرفع من قيمته لهو مما يغضب الله
فليغضب الإله ما شاء له أن يغضب
و لينفجر الرب ما شاء حزنا و كمدا
فإنا قد ولدنا هاهنا أحرارا سعداء
وإنا سنبقى هاهنا شدادا كراما أبدا
و بئسا لقوم يعيثون في الأرض فسادا يبتغون مرضات رب مريض متخلف جاهل حقود

أبو نبي العرب

سورة السكس

سورة السكس
بسم الله الحمن الرحيم .السكس و ما أدراك ما السكس يهدي الله لسكسه من يشاء ،إن الله كان بالسكس عليما خبيرا.يأيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين إذا قيل لهم انكحوا لا ينكحون.انكحوا هو أقرب إلى التقوى و الله بما تنكحون واسع عليم.انكحوا ذات اليمين و ذات الشمال مثنى و ثلاث و رباع و لا تهنوا و لا تستحوا و لا تحرموا ما أحل الله إنه لا يفلح القوم الظالمون.انكحوا الصغير و الكبير و جاهوا في الكفار و لو بالذكر. و انكحوا ايديكم و ما بين الفخدين و الدواب و الحمير و البغال.و لا تعتلو البعير إنه كان حراما مبينا. يأيها الذين آمنوا عليكم بالميتة و القتيلة و المشنوقة لتشفوا ما في صدوركم من غل و لتكبروا ما علوتهن تكبيرا..يأيها الذين آمنوا إذا ركعتم فاستووا و إذا سجدتم فاستقيموا لله و ارفعوا الأطياز رفعا شديدا و اذكروا الله كثيرا على ما هداكم .إن ربكم كان بالأطياز رؤوفا رحيما
صدق الله العظيم